عبداللطيف البوني | حاطب ليل
البياطرة كشفوا البلد!


)1(
اطّلعت على التقرير الذي قدّمته لجنة تقصي الحقائق التي شَكّلها الاتحاد المهني العام للأطباء البيطريين والمُتعلِّق بحادثة الباخرة المرزوقة كي، والتي أُرجعت من جدة بحمولتها من الضأن بحجة أنّ الضأن الذي على متنها تعرّض لتسمم دموي، وبعد أن أوضحت اللجنة المُكوّنة من ثلاثة أطباء بيطريين الخطوات والإجراءات التي اتّبعتها، وصلت إلى خلاصة مفادها أنّ سُلطات المحجر البيطري بميناء عثمان دقنة قد قامت بدورها على أكمل وجهٍ، بعبارةٍ أخرى أنّ الجهات البيطرية براءة مما حدث وليس هناك مرضٌ في تلك الحيوانات المُصدّرة، وإنّ الكارثة نجمت من الباخرة بدليل موت الضأن في الطابق السفلي فقط لانعدام التهوية، وتعدّت اللجنة المرزوقة إلى أن كُل مَواعين النقل العاملة في خط “سواكن – جدة” تفتقر للمُواصفات المطلوبة، واقترحت اللجنة أن تَكون هُناك شُروطٌ جزائيةٌ في التّعاقدات مع هذه المواعين وتأمين بحري، وأن يكون هناك طبيبٌ بَيطريٌّ مُرافق لكل رحلة لزوم الطوارئ، ثُمّ أشار التقرير للنواقص المَوجودة في مَعمل الأبحاث البيطرية ببورتسودان وضرورة تلافيها.!
)2(
في تقديري أنّ التقرير في مُجمله كان وافياً وموضوعياً ومُقنعاً اللهم إلا إذا ظهر تقريرٌ آخر يقول بغير ما قال به التقرير المُشار إليه، كان يُؤكِّد براءة المرزوقة أو يُثير نقاطاً جديدة، فساعتها يُمكن لنا أن نُوازن بين التقارير المطروحة، لكن إلى حين ذلك فتقرير هؤلاء البياطرة هو الصائب عندنا، لذلك لا بُد من شكر اتحادهم الذي بَادر للاهتمام بهذا الأمر المُهم، فالشكر على الواجب أصبح ضرورياً في زمن المَحَقَة الذي نعيشه الآن.. الذي استوقفني أكثر التقرير التوصية )رقم 11( التي جاءت في نهايته والتي تقول: )في رأينا من الضروري في مثل هذه الحوادث إجراء تقييم إداري وفني دقيق تقوم بالجانب الإداري الجهات المُختصة، ويقوم بالجانب العلمي المُختصون من هيئة بحوث الثروة الحيوانية وكليات الطب البيطري حسب طبيعة المُشكلة(، فهذه توصية تنم عن تَواضعٍ وتَفتح الباب لمَزيدٍ من التّقصي ولكنها قرّرت واقعاً في تَقديري يَحتاج إلى وقفةٍ وهو الفصل بين الجانب الإداري والجانب الفني، وفي تقديري أنّه بمقدور الأطباء البياطرة أن يلموا بجميع أبعاد القضية لو صح منهم العزم.. نعم نحن نعيش في زمن التّخصُّص، فالبيطري غير الاقتصادي، والاقتصادي غير الإداري، ولكن هذا التباعد هو الذي بَعثَرَ الأشياء وحرمنا من النظرة الكلية للموضوع، فليشق البيطري طريقه ويخوض في كلما يتعلّق بالحيوان، وكذا يفعل الاقتصادي، بعبارة أخرى يُمكن أن يَعمل الجميع على التّوازي، ثُمّ تُوضع كل التّقارير على الطاولة ليأتي مُتّخذ القرار ويأخذ ما يراه مُناسباً.
)3(
قصدت من قولي أعلاه تَحريض البياطرة على عدم الاكتفاء بواجبهم الفني وهو صحة الحيوان وإنتاجيته وتهجينه والذي منه، وذلك بأن يخوضوا في اقتصاديات الحيوان، فنحن الآن نعيش لحظة فارقة تأكّد فيها أن مَخرَج السودان من أزمته لا بل مَتاهته الاقتصادية هو ثروته الحيوانية، بعبارة أُخرى لدى الكل قناعة أنّ هذه لحظة الأنعام في السودان.. فعلى السّادة البياطرة أن يبحروا في هذا الاتجاه ويطّلعوا على مَا يَحدث في العالم من حاجة للحوم والألبان ومُنتجاتهما وإمكانَات السُّودان المهولة في هذا الشأن، عليهم أن ينهوا سيطرة السِّياسيين خَاصّةً الزِّراعيين منهم على المساحة المروية من أرض السُّودان، عليهم أن يضعوا الدورة الزراعية التي تُمكِّن الحيوان من اعتلاء كفرها، مع إيماننا القاطع بأنّ العلاقة بين البيطري والزراعي تكاملية.
خَلاصة قولنا هنا إنّ خُرُوج البَياطرة الخُجول من عباءة تَخصُّصهم الفني إلى اقتصاديات تخصصهم يجب أن ينتهي )ارفع صوتك فأنت بيطري البلد محتاجاك(.