محاولة جادة وأخيرة للقلق حول مصير البشير 💫
كتب: عزمي عبد الرازق

لعله الآن يفكر في (ليلة القدر) مثلنا تماماً دون أن ينغمس في النور طالباً العفو والمغفرة فقط، ربما لآن شيء ما حقيقي يؤرقه ويقض مضجعه، مثل شبح المحكمة الجنائية، ذلك الرباط الخانق المبذول بمكر لتمرير أجندة المجتمع الدولي، وسيحفزه دائما وأبداً للتمسك بالسُلطة، ما يعني وعلى نحو أكثر دقة أن البشير سيخوض المعركة الانتخابية المقبلة في (٢٠٢٠) ليس لرغبة شعبية أو شخصية، ولكن للاستحواذ على أوراق اللعب السياسي، والدخول في تسوية جديدة تضمن له عدم الملاحقة مستقبلاً .
المأزق الآن بالنسبة للرئيس البشير، ليس في شرعية الترشح، كونه استوفى حالياً مجمل فرصه الدستورية، فهذه مقدور عليها، بتصفير العداد الدستوري كالعادة، ولكن المأزق في الدعاية الانتخابية، المطلوبة عملياً لاستمالة الجمهور، فلأول مرة تشعر بالرئيس في حيرة لما يود قوله كمبرر للترشح مجدداً، ودون أن يتوفر اليقين الكافٍ لعبور الأزمة الاقتصادية، والدخول من باب مريح إلى العام المُقبل الذي سيسبق الانتخابات .. يا إلهى، تبدو كل الأبواب مغلقة!
أما حديث الوزير الركابي في البرلمان عن تطاول أمد الأزمة وتجريب كل الحلول وتدحرج كرة الثلج، كفيل بالقضاء على آخر بارقة أمل لدى أنصار البشير، ووضعهم في مواجهة عنيفة مع المجهول، لأن الناخبين، هنا في هذا البلد الكبير المتعب لا يمكن أبداً أن يستسلموا إلى قدرية سياسية لا تزيح عن كاهلهم ثقل المعاناة وتؤذن لهم بالخلاص .
قياساً مع هذه الظروف، فإن أي خطوة سياسية يجب الاقدام عليها تعتبر بمثابة مخاطرة، لا أقل من ذلك. ولكن كيف آلت الأمور إلى هذا الحد؟ لدرجة انسداد الأفق، تماماً في بلد غني بثرواته النفطية والمعدنية والأراضي الزراعية الرحبة، وتحوله إلى ضيعة فقيرة، تعجز عن سداد فاتورة الدواء والوقود؟ ولماذا تحجم وتشيح عنا دول مثل السعودية والإمارات، بسطنا لهما الثقة والأيادي البيضاء من غير سوء، ونقاتل إلى جانبهم في حرب عبثية بلا طائل؟ إنه لمن الغريب حقاً أن يتداعى شمل ذات الحلف لإنقاذ الأردن من ضائقة اقتصادية مماثلة أو أقل حدة، بينما يتجاهل عن قصد السودان المتهافت نحوهم، والمطحون منذ أشهر، بلا صديق يطمئن القلب، ويضمد جراح الدولة ويواسي حكومة الحوار الوطني؟!
ثمة حصار على السودان بالفعل تشارك فيه أمريكا من جهة والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، لدرجة منع تحويلات المغتربيين عبر القنوات المصرفية، وذلك الحصار المضروب يحاول المساومة على مواقف سيادية، الدعم وإنقاذ السودان مقابل قطع العلاقة مع قطر وطرد تركيا من سواكن والإقبال على إسرائيل، وفي خطوة لاحقة انهاء خدمات الاسلاميين، مرة وللآبد .
أمريكا وبعد اقتناع بأن النظام أُرهق لدرجة أكل شعاراته الثورية كما تأكل (البهائم التبن) والقبول بأي إغاثة وتقليص البعثات الدبلوماسية، تريد من القوى السياسية المعارضة عموماً الدخول في منازلة انتخابية تضمن لها أصوات الناخبين، وكعكة هائلة من تنازلات الحزب الحاكم، والضغط بشدة لإنقاذ تصوراتهم لدولة جنوب السودان، وعزل الخرطوم من حلفها القديم الممانع، وهذا يعني أن النظام في مفترق طرق، لا يوجد وصف غير ذلك .
صحيح ما من أحدٍ يمتلك الحقيقة، على نحوٍ أخيرٍ وكامل ونهائي، ولكن المِزاج العام بات أقرب للمعارضة عموماً في كل أنحاء السودان، كما أن أحاديث تفشي الفساد بصورة دائمة ومتكررة بات يرددها رجل الشارع العادي، وأفلحت في خلق شرخ فادح، وأراء سالبة يصعب غسلها من الأذهان، ولذا انتهى الحال بالحكومة إلى البحث عن آي وريد خارجي يضمن لها تغذية سريعة ومُنقذة .
بالعودة لإنقاذ الأردن وتجاهل السودان ثمة مقابلة أجراها الملك عبد الله الثاني مع الصحفي الألماني جيفري غولدبيرغ قبل أعوام ونشرتها مجلة (ذي اتلانتيك) تقريباً، قال فيها بصراحة “إن عصر الملكيات بدا ينقضي لكن عائلته لم تدرك ذلك”. واليوم تريد منه السعودية والإمارات منع الاسلاميين من الحصول على السلطة، والتواطؤ لتمرير صفقة القرن وحراسة البوابة الصهيونية، بينما هو في حالة استسلام متأخر، ويعلم أن المعركة أكبر من طاقته. لكن نفس الدول التي دعمت عبد الله الثاني في محاولة للحفاظ على رمزية النظام الملكي تقريباً وضمان عدم اشتعال جذوة الربيع العربي تسعى وبشراسة للقضاء على الاسلاميين في السودان، وقد أعملوا كل أدواتهم، دون أن تقدم الخرطوم على خطوة مماثلة، مثل سحب الجيش السوداني من حرب اليمن، فماذا ستخسر الخرطوم من عداء دول تناصبها العداء بالأساس؟ لا أحد يعرف فيما يفكر فيه البشير ولكن يبدو أنه أدرك وتيقن أن الخروج من ذلك الحلف وقطع شعرة معاوية سيجعل السعودية والإمارات تعملان معاً على على هدف واحد، اسقاط النظام، وهو ليس لديه مناعة كافية للمقاومة أكثر .
صحيح الرئيس البشير قلق على مستقبله، وكثيرون قلقون على البلاد، ولهذا السبب لم يعد أمامه من سبيل سوى الرهان على الاسلاميين، فبدا وكأنه تخلى مؤخراً عن فكرة حل الحركة الإسلامية بعيد أن لوح بها دونما مرة، كما أن الحرب على الفساد والاجهاز على ( القطط السمان) لم تؤتي أكلها ما يرجح أنها مؤقتة وعابرة، وتحاول تخليق شرعية لخوض الانتخابات، فقط لا أكثر .
ولربما يتساءل البعض كيف تمكن البشير من السلطة لنحو ثلاثين عاماً، وهل يستطيع أن يقدم فيها أكثر مما قدم؟ وهنا تختلف الاجابة من شخص لأخر بخصوص ما يمكن أن يقدمه، لكنك لن تتجاهل ميزة أنه يستمد قوته من المؤسسة العسكرية، ولذلك فشلت كل محاولات التأمر والانقلاب عليه.. ولا يكفي القلق حول المستقبل داخل الأجهزة الأخرى وبالنسبة لأنصاره كمبرر للتجريب والمغامرة بآي مرشح أخر مهما كان وزنه، فهم على الدوام يشهرون سؤال (البديل منو؟) وينافحون عن البشير بالخوف من المجهول، رغم أن سؤال البديل نفسه أصبح اليوم وبعد ثلاثين عاماً مثاراً للسخرية والتندر .

شاهد أيضاً

اقوال خلدها التاريخ

https://scontent.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/p720x720/42196460_2052361911489287_3814445727858294784_n.png?_nc_cat=0&oh=6b9749db993312ca6ba9829d8d0407c9&oe=5C22ED13

div class="clear">