الطاهر ساتي | اليكم
يُرَاءُونَ..!!


)بسم الله نبدأ سعادة جديدة(، هكذا يبدأ غيث مشوار الخير والسعادة في الرائعة الإنسانية التي تبثها قناة نور دبي ) قلبي اطمأن(.. وهذا البرنامج من إنتاج مؤسسة دبي للإعلام، وقد نجح بحيث أصبح أفضل وأقوى برامج رمضان هذا العام بكل الفضائيات العربية، حسب استطلاعات ومشاهدات المواقع الإكترونية.. ومقدم البرنامج غيث شاب إماراتي يتجول في الدول العربية والإفريقية باحثاً عمن ضاقت بهم سبل الحياة وأرهقتهم تكاليفها ثم يباغتهم بحياة أفضل ويغرس في نفوسهم الفرح والأمل..!!
:: والجدير بالانتباه في )قلبي اطمأن( هو أن مقدمه غيث لا يُظهر وجهه أبداً للمشاهد، ويتعمَّد بأن يدير ظهره للكاميرا في كل مشاهد الحوار مع ذوي الحاجة، ويضع على رأسه طاقية سوداء واسعة لإخفاء ملامح وجهه.. وغير أن اسمه غيث فإنه حتى يومنا هذا -غير فريق العمل ثم من استهدفهم البرنامج- لا يعرف أحد هذا الشاب الذي يُوزِّع الفرح والخير في بيوت المتعففين.. لسان حاله وهو يتعمد إخفاء وجهه عن المشاهد )الصدق دوماً في الخفاء(، وهذا ما جذب المشاهدين إلى المتابعة..!!
:: ولهذا البرنامج حلقات رائعة في بلادنا.. حلقة مع موظف حكومي يسدّ عجز راتبه بغسيل العربات بعد ساعات العمل الرسمية، ويلتقيه غيث ويسأله عن عنوان فندق، ثم يطلب منه بعض المال لأنه نسيَ محفظته في الفندق، ويُخرج العامل محفظته لمساعدة غيث ثم يتفاجأ بغيث هذا يسلمه حزمة من الأوارق المالية ثم يغادر سريعاً.. ومع أم الأيتام التي توفي زوجها وترك لها توأماً، وقد انهار منزلها واحترق، لتعمل في بيع الشاي والطعام لتكسب قوت يومها، وقد شاهدنا بكاءها بعد تجديد منزلها ودعمها بأموال لتربية أبنائها الأيتام..!!
:: يفرحهم غيث، ثم يغادر الموقع سريعاً.. لا العدسة ولا المشاهد يعرف ملامح وجه غيث، حيث اعتاد أن يعطيهما ظهره.. ولكن المسؤول في بلادنا، في رمضان من كل عام، يختلف عن غيث بحيث تتلقى الصحف والقنوات توجيهاً رسمياً بمرافقته في المشروع الليلي المسمى بمشروع “الراعي والرعية”.. فالمشروع معروف بأنه أحد برامج شهر رمضان، حيث تنظم دواوين الزكاة بالمركز والولايات برامج زيارات لبعض المسؤولين لبعض المواطنين، بقصد تقديم بعض المساعدات.. وبما أنهم يختارون الأمسيات وقتاً لهذا البرنامج الإنساني الذي يستهدف الفقراء والمساكين، فهذا يعني أن الصدق دوماً في الخفاء..!!
:: ولكن المدهش في أمر المسؤولين أنهم يحرصون بأن ترافقهم الصحف بأقلامها والقنوات بكاميراتها في )تجوالهم الليلي(، ولا نعلم سر هذه الرفقة الإعلامية لهؤلاء المسؤولين الباحثين عن الحسنات في )ظلام الليل(؛ إذ هي معادلة شائكة ولا يفهمها إلا صُنَّاع المشروع الظلامي، أي من يتجولون في الظلام تحت لافتة )الراعي والرعية(.. ونسألهم بكل دهشة: كيف يعمل أحدكم تحت جنح الدجى والناس نيام، وتسميه بأنه عمل خالص لوجه الله، ثم تفاجئ الدنيا والعالمين صباح اليوم الثاني بعملك هذا منشوراً بالصورة والقلم، وبجواركم من استهدفهم تجوالكم؟.. كان عليكم أن تكونوا مثل غيث، بحيث لا يراكم أحد.. ثم أنتم تُذِلُّون – من تزورونهم – بهذا النشر الضار، رغم أنكم لا تُنفقون عليهم من )جيوبكم(..!!