الرئيسية > كتابات اخرى ومنوعات > تجربة بائسة في كباريه مأمون حميدة!! د. أحمد عبدالواحد يمر الإنسان في حياته بال…

تجربة بائسة في كباريه مأمون حميدة!! د. أحمد عبدالواحد يمر الإنسان في حياته بال…

تجربة بائسة في كباريه مأمون حميدة!!

د. أحمد عبدالواحد

يمر الإنسان في حياته بالعديد من التجارب السيئة وتجربتي اليوم في جامعة العلوم الطبية (مأمون حميدة) كانت من بين أسوأ التجارب التي أخوضها في حياتي .. فبعد أن طلب مني أحد زملائي الأعزاء أن أغطي له محاضرة مسائية للصف الثاني في كلية الطب هناك تحمست جدا حيث لم أعمل هناك من قبل ولم يفتر من حماسي تحذيراته الشديدة لي بسوء سمعة هذا الصف تحديدا من حيث قلة الأدب وانعدام الانضباط لأني كنت أحسب نفسي معتادا على التعامل مع هذه النوعية من الطلاب في جامعتنا العريقة جامعة الخرطوم والتي تضاعف احترامي لطلابها أضعافا مكررة – بما فيهم اولئك من قليلي الأدب – بعد ما عايشته وشاهدته الليلة في ذلك المكان المسمى زورا جامعة ..

منذ لحظة دخولي إلى الصف وتعريفي بنفسي لم يبد أولئك الصبية من الأولاد الناعمين والبنات المتنعمات أي قدر من الاحترام لوجود معلم بينهم رافضين حتى مجرد الاصغاء لكلماتي الافتتاحية .. فههنا بنت ذات قصة ممسكة بـ(الأيباد) وزميلتها ذات الفلنة القصيرة والجينز الضيق مندمجة معها فيه .. وعلي اليمين تجمع ثلاث فتيان متعددي قصات الشعر وفريمات النظارات حول جهاز آخر .. وفي آخر القاعة جلس فتى يضع سماعات الهيتفون في أذنيه وينظر إلي بلا مبالاة .. بينما من وراءه وقف أربعة فتيان وفتاتان – أو لعلهم ست فتيات – يتجادلون بصوت عال دون أي التفات لندائتي المتكررة أن اصمتوا واجلسوا .. وباستناء عدد لا يزيد على أصابع اليدين من من يجلسون في الصف الأمامي كانوا كلهم في غيهم يعمهون ..

حاولت جاهدا فرض حالة من الانضباط وسط تفاجئي بهذا المجتمع الصبياني الذي وصل للسنة الثانية من دراسة الطب .. وقررت استعمال الشدة فطردت فتاة كانت تتحدث بصوت عالي فتلكأت في البداية ولكن تحت شدة أمري وعبوس وجهي خرجت .. بعدها عمت دقائق قليلة من الهدوء النسبي لكن مالبث الإزعاج أن عاد من جديد وبصورة أشد .. أمرت طالبا آخر كان ملتفتا بكل جسمه للخلف متحدثا مع زميلاته بصراخ مزعج أن يخرج .. فما كان منه إلا أن تحدى أمري ورفض مجادلا بأن لم يفعل شيئا .. جلست لأكثر من دقيقة أكرر له الأمر بالخروج وهو يجادل بنبرة ساخرة مستهزءة تنضح بقلة الأدب وانعدام التربية بأنه لم يفعل شيئا يستحق الخروج .. اسقط في يدي ماذا أفعل له يا ترى ؟ أأمسكه من رقبته وألقي به خارجا ؟ أم أمشي اشتكيه في البوليس ؟ موقف لم يمر علي طوال أكثر من ست سنوات في التدريس الجامعي وشعرت ببالغ الأسى والاحترام لطلابنا الذين كنت اقسو عليهم وانعتهم بقلة التهذيب ..

التفت جانبا من هذا الصبي المغتر وتجاهلته بينما تحطمت في نظر هؤلاء الطلاب ما تبقى من صورة الاستاذ الحاسم .. جاء الموظف المسؤول عن الحضور والغياب فبدأ بأخذ الحضور .. انتظرته حتى انتهى ثم اخبرتهم بأن من لا رغبة له في البقاء فليغادر طالما وقعوا حضورهم .. فغادر نحو من خمسين طالبا أي نصف عددهم تقريبا .. وحتى تلك اللحظة كان قد مر على زمن المحاضرة حوالي العشرين دقيقة وكنت بالكاد قد أتيت على شريحة أو شريحتين من العرض الذي كنت أنوي تقديمه ..

هدأت القاعة قليلا وشعرت ببعض الراحة لأني أحسست أن من بقي من هؤلاء يرغبون في أن يتعلموا شيئا الليلة .. توجت إلى الباب واغلقته وبدأت أكمل .. لكن الحال لم يتغير كثيرا فالكلام بين الطلاب ازدادت وتيرته وعلت نبرته .. وبدأ بعضهم من مستخفي الدم في مقاطعتي بأسئلة سخيفة استهزائية .. والأسوأ أن الطلبة الذين خرجوا بدأوا يفتحون الباب كل دقيقة ليؤشروا لزملائهم في الداخل بإشارات بلهاء يقهقهون جميعهم على إثرها وكأنهم في سيرك .. علاوة على جعلهم للقاعة مضطربة بالدخول والخروج المتكرر دون أدنى فائدة من زجري لهم وطردهم وتعنيفهم .. عندها أيقنت أن هؤلاء القوم لا ينفع التعامل معهم كبالغين فما هم إلا حفنة من الأطفال فاقدي البصيرة وضالي الطريق منحتهم الأقدار في هذا الزمن الأغبر فرصة لا يستحقونها ليكونوا في هذا المكان .. ولو كنت أعلم هذا لأحضرت معي شيخ خلوة جامعنا ليزجرهم ويؤدبهم بعصاه الطويلة ..

تلوت جزءا من المحاضرة في غير ما نفس وبلا مبالاة في محاولة يائسة مني لأداء واجبي وتبرئة ضميري .. ثم حزمت حاسبي المحمول ورحلت تودعني تريقات هؤلاء الأطفال الكبار وشتائمهم .. مقررا أن لا أعود لهذا المكان ما دمت حيا .. اتصلت بزميلي واطلعته على ما جرى فاعتذر مني وأخبرني بأني ثالث استاذ يغادر هذا الفصل قرفانا مستاءا خلال هذا الشهر وأنه يواجه مشكلة حقيقة في توفير اساتذة لهذا الصف .. لكن في رأيي المشكلة الحقيقية هي “الهملة” .. الهملة التي جعلت الطب هاملا لدرجة أن قاصري العقل والمروءة كهؤلاء تتاح لهم فرصة ليدرسوا ويتخرجوا دكاترة .. بينما كان من الأولى البحث عن مدرسة تجعل منهم بني آدمين ابتداءا وتنتشلهم من هذه الحالة الحيوانية البهيمية التي يغوصون فيها والتي لا تتيح لعقولهم المغيبة التمييز بين ما هو صحيح وما هو خاطئ .. ولا تدرك أدنى ابجديات القيم التي يرضعها الانسان السوداني من توقير الكبير واحترام المعلم .. لكن الشيء الذي أخشى حتى مجرد التفكير فيه هو ماذا إذا قدر لهذه الكتيبة معدومة الأدب والضمير من الطلاب أن يتخرجوا ويصبحوا أطباءا ؟ كيف سيكون الطب عندها ؟ وما سيحل بأرواح الناس ؟ سؤال يجب أن يجيب عنه الذي أنشأ كليات الموز هذه ليمتص الدولارات من هؤلاء ثم يقذف بهم وبقذاراتهم إلى المجتمع دون مبالاة طالما قبض الثمن .. لك الله يا سودان ..

محاضر بكلية الطب
جامعة الخرطوم



الصورة

المصدرة صفحة الفكرة

شاهد أيضاً

(جبل مون) بغرب دارفور ينطلق بقوة إلى دائرة الإنتاج

الجنينة ـ عبد الرحمن محمد أحمد تعد سلسلة جبل مون بغرب دارفور …

div class="clear">