الرئيسية > مدونة السودان للتقنية > عقيدة الصدمة .. معاناة شعب مع التحول الرأسمالي الأكثر جذرية في التاريخ في عام 2…

عقيدة الصدمة .. معاناة شعب مع التحول الرأسمالي الأكثر جذرية في التاريخ في عام 2…

عقيدة الصدمة .. معاناة شعب مع التحول الرأسمالي الأكثر جذرية في التاريخ

في عام 2007 أصدرت الكاتبة الكندية “ناعومي كلاين” ما يعتبره البعض أهم ما كتب في الاقتصاد السياسي خلال العقود الأربعة الماضية، وهو كتابها “عقيدة الصدمة: صعود رأس مالية الكوارث”.

بسلاسة، تنتقل “كلاين” بالقارئ من إندونيسيا إلى تشيلي والأرجنتين والبرازيل ثم روسيا وشرق آسيا وصولاً إلى العراق، تشرح وتدلل على ما سمتها سياسة “المعالجة بالصدمة” والتي توضح خلالها كيفية استغلال الصدمات والكوارث في إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية خاطفة لم يكن ليسمح بها المواطنون في الأحوال الطبيعية.

باختصار، تتلخص فكرة سياسة “المعالجة بالصدمة” في استغلال السياسيين والشركات لحالة الخوف والضياع الناتجين عن الصدمات أو الكوارث التي قد تتعرض لها البلدان مثل الحروب أو الهجمات الإرهابية أو الانقلابات والكوارث الطبيعية في فرض إجراءات اقتصادية موجعة، وأيضاً إخضاع كل من يتجرأ على مقاومة هذه السياسات.

في عام 1982 كتب “ميلتون فريدمان” الذي تأثر كثيرا بمدرسة شيكاغو ويعد أشهر منظري هذه السياسة :”وحدها الأزمة، سواء أكانت الواقعة أم المنظورة، هي التي تُحدث التغيير الحقيقي. فعند حدوث الأزمة تكون الإجراءات المتخذة منوطة بالأفكار السائدة. وهنا تأتي على حد اعتقادي وظيفتنا الأساسية: وهي أن نطور بدائل للسياسات الموجودة وأن نبقيها حية ومتوفرة إلى حين يصبح المستحيل حتمية سياسية”.

وفي هذا التقرير سيتم التعرض لقصة تشيلي بالتحديد، وتوضيح كيف تم فرض تحول خاطف في النظام الاقتصادي في تشيلي عن طريق تخفيض الضرائب وتعزيز التجارة الحرة وخصخصة القطاعات الخدمية وخفض الإنفاق الاجتماعي، ليجد التشيليون في نهاية المطاف أن مدارسهم الرسمية تتحول إلى مدارس خاصة.

البداية .. انقلاب عنيف

– لطالما اعتبر الجنرال “أوغوستو بينوشيه” وأنصاره أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 1973 “حرباً” وليس انقلاباً. لقد بدت سانتياجو” كساحة حرب بالفعل، فقد كانت الدبابات والمقاتلات النفاثة تطلق الصواريخ على المباني الحكومية. وبرغم ذلك كان ثمة شيء غريب بشأن هذه الحرب، فلقد كانت حرباً أحادية الجانب.

– كان “بينوشيه” يهيمن منذ البداية بشكل كامل على الجيش والشرطة، ولم يكن رئيس البلاد المنتخب آنذاك “سلفادور آلندي” يملك جيشاً خاصاً به، ولم يدافع عنه وعن الديمقراطية سوى 36 من حراسه الشخصيين، ولكن ذلك لم يمنع الجيش من إطلاق 24 صاروخاً على القصر، ليلقى الجميع حتفه.

– كان يوم الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول بالنسبة إلى مدرسة “صبيان شيكاغو” يوماً مليئًا بالحماسة، فأخيراً ستتاح لهم الفرصة لتطبيق سياسات مشابهة لتلك التي وردت في كتاب ميلتون فريدمان “الرأسمالية والحرية”، وهي: الخصخصة وإزالة القواعد التنظيمية والحد من الإنفاق الاجتماعي: أي ثالوث السوق الحرة. وكان هؤلاء الاقصاديون الذين تدربوا في الولايات المتحدة قد حاولوا طرح هذه الأفكار سلمياً في إطار ديمقراطي لكنهم جوبهوا برفض كبير.

“بينوشيه” وسياسات مدرسة شيكاغو

– خلال السنة ونصف السنة الأولى من حكمه، كان “بينوشيه” وفياً لقواعد مدرسة شيكاغو، حيث قام بخصخصة بعض الشركات التي كانت تمتلكها الحكومة، وأفسح الباب أمام الواردات الأجنبية مسقطاً الحواجز التي لطالما حمت القطاع الصناعي التشيلي، وقام بتخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 10%، باستثناء الإنفاق على الجيش والذي شهدت مرتباته ازدياداً كبيراً.

– كان “صبيان شيكاغو” قد أكدوا بثقة لـ”بينوشيه” أنه إذا أوقف بشكل مفاجئ تدخل الحكومة في جميع المجالات، فإن القوانين الطبيعية للاقتصاد ستستعيد توازنها وستنخفض نسبة التضخم بشكل سحري، وهما أمران اعتبروهما نوعاً من الحمى الاقتصادية.

– لكنهم كانوا على خطأ. ففي عام 1974 وصلت نسبة التضخم إلى 375%، وهو المعدل الأعلى في العالم وضعف الرقم الذي بلغه التضخم في عهد “آلندي”. وتخطت أسعار المواد الأساسية مثل الخبز حدودها.

– في الفترة نفسها طُرد الآلاف من التشيليين من وظائفهم بعد أن أسهمت هذه السياسات في إغراق السوق بالأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة، وأقفلت العديد من الشركات المحلية أبوابها لعجزها عن المنافسة، وبلغت البطالة أعلى مستوياتها، كما بات الجوع يطرق الأبواب.

– رغم كل ذلك، أكد “صبيان شيكاغو” أن المشكلة لم تكمن في نظريتهم، وإنما في عدم تطبيقها بالصرامة الكافية.

“بينوشيه” لـ”فريدمان”: اطمئن لقد تم تنفيذ الخطة

– بعد أن أصبح جدول أعمال “صبيان شيكاغو” معرضاً للخطر، قرروا أنه حان الوقت لاستدعاء اللاعبين الأساسيين. لذا توجه “ميلتون فردمان” وآرنولد هاربرج” في مارس/آذار 1975 بطائرة إلى العاصمة سانتياجو بدعوة من مصرف مهم في تشيلي للمساعدة في إنقاذ التجربة.

– التقى “فريدمان” مع “بينوشيه” وشجعه على تخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 25% في غضون 6 أشهر، وتنبأ الأستاذ الجامعي الأمريكي بأن آلاف الأشخاص الذي سيطردون من عملهم في القطاع العام سيحصلون سريعاً على وظائف جديدة في القطاع الخاص الذي من شأنه أن ينتعش بعد إزالة “بينوشيه” أكبر قدر ممكن من العوائق التي تعترض طريق القطاع الخاص.

– أكد “فريدمان” لـ”بينوشيه” أنه إذا عمل بنصيحته فإنه سيحظى بفرصة حدوث “أعجوبة اقتصادية” وأنه سيكون بإمكانه إنهاء التضخم في شهور، وأن استعادة الاقتصاد لعافيته ستكون سريعة، ولكن عليه أن يتصرف بسرعة وبحزم، وشدد “فريدمان” على أهمية الصدمة، مكررا الكلمة ثلاث مرات ومؤكداً على أن “التدرج ليس ممكناً”.

– على الفور قام “بينوشيه” بخفض الإنفاق العام بنسبة 27% مرة واحدة، واستمر في ذلك إلى أن وصل حجم الإنفاق الحكومي في عام 1980 إلى نصف النسبة التي كان عليها في ظل حكم “آلندي”. وقام “بينوشيه” بإرسال رسالة إلى “فريدمان” مطمئناً إياه بأنه “تم تطبيق الخطة بشكل كامل في الوقت الحاضر”.

نتائج كارثية

– في السنة الأولى من المعالجة بالصدمةـ انكمش الاقتصاد التشيلي بنسبة 15% وبلغت نسبة البطالة – التي لم تكن سوى 3% في عهد “آلندي” – 20% وهو معدل لم تسمع به تشيلي من قبل. وعلى عكس تنبؤات فريدمان المبشرة بالخير استمرت مشكلة البطالة لأعوام وليس لأشهر.

– لم يرأف “بينوشيه” بالشركات المحلية وأمعن في إزالة المزيد من الحواجز التجارية، وكانت النتيجة هي خسارة 177 ألفاً من العاملين بالقطاع الصناعي لوظائفهم في الفترة ما بين عامي 1973 و1983. وبحلول منتصف الثمانينيات هبطت نسبة مساهمة الصناعة في الاقتصاد إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

– أصبح 74% من مدخول العائلات التشيلية يذهب ببساطة إلى شراء الخبز، وهو ما أجبرهم على الاستغناء عما أصبح في ذلك الوقت “كماليات” بالنسبة لهم، مثل الحليب وركوب الأتوبيس للذهاب إلى العمل. ومقارنة مع الوضع المعيشي في عهد “آلندي” لم تشكل تكلفة الخبز والحليب وأجرة الأتوبيس وقتها سوى 17% من راتب الموظف الحكومي.

– كل ذلك، لم يردع فريق “بينوشيه” الاقتصادي عن المضي قدماً في سياساته، فانتقل إلى أرض أكثر قبولاً للتجارب مستقدماً سياسات “فريدمان” الأكثر تقدماً، حيث تم استبدال المدارس الرسمية بمدارس خاصة ومدارس حكومية مستقلة، وبات نظام الرعاية الصحية لا يسري إلا مقابل الدفع، كما تمت خصخصة الحضانات والمقابر، بل تمت خصخصة نظام الرعاية الاجتماعية نفسه.

– في وسط كل هذا، كان الشيء الوحيد الذي حمى تشيلي من الانهيار الاقتصادي التام في بداية الثمانينيات، هو عدم إقدام “بينوشيه” على خصخصة “كوديلكو” وهي شركة تعدين النحاس التابعة للدولة، والتي أممها “آلندي”، فقد كانت الشركة تولد 85% من عائدات التصدير.

اختلال التركيبة الاجتماعية

– مع قدوم عام 1988 واستقرار الاقتصاد بشكل نسبي، كان 45% من السكان يجلسون تحت الحد الأدنى للفقر، في حين شهدت ثروات 10% من الأغنياء التشيليين زيادة قدرها 83%. وحتى عام 2007، كانت تشيلي لا تزال أحد أكثر المجتمعات التي تنعدم فيها المساوة، فمن بين 123 دولة تضمنها مؤشر المساواة احتلت تشيلي المرتبة الـ116.

– في وصفه لما حدث، كتب “أورلندو لوتولييه” وزير الدفاع السابق في عهد “آلندي” في عام 1976 بينما كان يراقب من منفاه الإفقار السريع الذي كانت تتعرض له تشيلي “خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أُخذت من جيوب أصحاب الأجور مليارات الدولارات لتصب في جيوب الرأسماليين وأصحاب الأراضي … لم يكن تركز الثروة صدفة بل قاعدة، ولم يكن نتيجة لوضع صعب – كما أرادت الطغمة العسكرية للعالم أن يعتقد – بل أساس لمشروع اجتماعي”.

– “بينوشيه” ” كان لا يفقه أي شيء فيما يتعلق بالعلوم الاقتصادية، لكنه رغم ذلك كان له دوره الخاص، وهو تعذيب واضطهاد وسجن كل من يعتقد أنه قد يقف في وجه تحول البلاد إلى الرأسمالية. وقد رأى كثيرون في أمريكا اللاتينية صلة مباشرة بين الصدمات الاقتصادية التي أفقرت ملايين الناس ووباء التعذيب الذي كان يعاقب في ظله آلاف الأشخاص الذين كانوا يؤمنون بنوع مختلف من المجتمعات.

– كان ذلك هو التحول الرأسمالي الأكثر جذرية في العالم، وقد عرف باسم “ثورة مدرسة شيكاغو”، حيث إن العديد من رجال الاقتصاد المعاونين لـ”بينوشيه” كانوا قد تتلمذوا على يد “فريدمان” في جامعة شيكاغو. لقد تنبأ “فريدمان” بأن سرعة هذه التحولات الاقتصادية وفجائيتها ستثير ردود فعل نفسية في أوساط الشعب وستسهل بالتالي عملية التكيف.

– أطلق “فريدمان” على هذه الاستراتيجية الموجعة “المعالجة بالصدمة الاقتصادية”. وهكذا كلما رغبت الحكومات في العقود التالية في فرض برامج كاسحة لتحرير السوق كان العلاج بالصدمة الشاملة والفورية أو “المعالجة بالصدمة” هو الأسلوب الذي يتم اتباعه.


الصورة

المصدرة صفحة الفكرة

div class="clear">