الرئيسية > اعمدة الصحف السودانية > (يا عمو.. أدِّيني خمسين جنيه)!!.. بقلم عثمان ميرغني

(يا عمو.. أدِّيني خمسين جنيه)!!.. بقلم عثمان ميرغني

السودان اليوم:

قبل يومين وبمحض صُدفة، دخلت لشراء بعض مُستلزماتي من “سيوبر ماركت” مشهور.. مشهور جداً.. وأنا انتظر لتسديد قيمة مشترياتي.. كان أمامي في الصف زبونٌ واحدٌ.. وخلفي زبائن آخرون..
فجأةً دخلت مجموعة من الصبية حوالي ستة.. سيماهم في وجوههم.. توزّعوا بين الزبائن الواقفين في الصف وهم يتسوّلونهم بعبارة واحدةٍ وبصورةٍ ملحاحة.. كانوا يُردِّدون عبارة (يا عمو أدِّيني خمسين جنيه).. لفت نظري أنّ الشاب الجالس على “الكاشير” لم ينتهرهم أو حَتّى يَنشغل بهم، رغم تَحَلُّقهم حول الزبائن بصُورةٍ مُزعجةٍ جداً..!
“الكاشير” أدخل مشترياتي في الكمبيوتر وحدّد لي المبلغ ثم وضعها على يساره لأنتقل وأفسح المجال لغيري ريثما يكتمل تعبئتها في الأكياس.. هنا حَدَثت المُفاجأة..!
الزبون خلفي في الصف مدّ جهاز موبايل إلى “الكاشير” وسأله مَن صاحب هذا الجهاز؟ استلم “الكاشير” جهاز الموبايل في يده ومدّه لي وهو يسألني (دا جهازك يا أستاذ؟).. كانت شاشة الموبايل مُضيئة ويظهر عليها اسم المُتصل.. أحد مَعارفي.. وصوت الرنين المعهود لأُذني يَرن.. في الحال تسلّمت منه الجهاز.. وتسمّرت في مكاني أنظر ولا أكاد أُصدِّق.. فالمشهد أمامي كالشمس وضوحاً..!
جوقة الصبية التي اقتحمت المحل وتوزّعت بين الزبائن مَا هُم إلا “كومبارس” أدّى دوره بمُنتهى البراءة والبراعة.. مُهمّتهم الأساسية صنع الفوضى الخلاقة أمام “الكاشير” ريثما يتفرّغ بعضهم لإفراغ جُيُوب الزبائن من المال والموبايلات وما خَفّ وزنه.. والذكاء في العبارة المُستخدمة للتّسوُّل (يا عمو أدِّيني خمسين جنيه).. فهي فعلاً مُربكة.. تحديد فئة الصدقة وبهذا الرقم الكبير تُحقِّق هدفين قاتلين: الأول هو الدّهشة المُحيِّرة؛ والثاني التّردُّد بل وربما رفض الاستجابة.. وهو بالضبط المطلوب.. لأنّ سُرعة دفع الحسنة لن تُحقِّق الهدف وهو تشتيت الذهن لا الدفع.. فالصبي الذي كان بجواري استثمر دَهشتي وانشغالي بالتفكير في المَوقف.. وأدخل يده في جيبي والتقط الموبايل.. وتشاء رحمة الله أن يتصل صديق في اللحظة ذاتها فيرن الموبايل قبل أن يخفيه فيتخلّص منه الصبي بسُرعةٍ فائقةٍ ويضعه على “الكاونتر”.. ليعود الموبايل إلى جيبي سالماً..!
أصدِّقكم القول تسمّرت في مكاني غير قادرٍ على التصرف.. فأنا على يقينٍ أنّ قائد العملية الحقيقي هو الشاب الذي يجلس على “الكاشير”!! وأنّ هؤلاء الصبية الصغار المَساكين ما هُم إلا إجراءٌ يُؤدُّون دورهم ربما لقاء أجرٍ زهيدٍ.. فيصبح السؤال.. هل بلغ بِنَا الوضع إلى هذا الحال.. لا أقصد السرقة في حد ذاتها، بل شُيُوع حالة الإحساس بالحاجة للسرقة..؟!
فهذا المحل كَبيرٌ وفخمٌ.. وبالضرورة يتمتّع مُوظّفوه بأجور يتمنّى كثيرٌ من الشباب العَاطلين أن لو كانوا مكان هذا الشاب يكسبون رزقهم بالحلال.. وهنا تَصبح السرقة ليس للحاجة المَاسّة، بل لشُيُوع حالة الإحساس بالاستباحة.. استباحة الحُصُول على المال من أيِّ مصدرٍ وبأيّة وسيلة..!

click to Copy Short link:
https://alsudanalyoum.com/yxUgh


مقالات الرأي – السودان اليوم

شاهد أيضاً

الأهلي المصري يبلغ نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا – باج نيوز

الأهلي المصري الخرطوم: باج نيوز بلغ الأهلي المصري نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا اليوم”السبت” وذلك …

div class="clear">