الرئيسية > اعمدة الصحف السودانية > حين تُساء ترجمة أخطر التصريحات السياسية .. بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان

حين تُساء ترجمة أخطر التصريحات السياسية .. بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان

السودان اليوم

وجدتْ تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهيرة بشأن إدلب، التي نشرها في يوم الاثنين 3 أيلول/سبتمبر الجاري، تغطية واسعة في شتى وسائل الإعلام العالمية، لكنها تُرجمت ترجمة خطأ في معظم وسائل الإعلام والصحافة العربية.

الجزء الذي يعنينا من التصريح هو الجملة الأولى فيه:

President Bashar al Assad of Syria must not recklessly attack Idlib

وجاءت الترجمات العربية في معظمها على النحو التالي:

“يجب على الرئيس السوري بشار الأسد ألا يهاجم محافظه إدلب بتهور”، وأحياناً “بشكل متهور”.

فقد تُرجمت كلمة recklessly على أنها تعني “بتهور”. فكأنّ المقصود: ألا يكون الهجوم بتهور. وبناءً على هذا الفهم الخطأ استنتج بعض المعلقين استنتاجاً خطاً مفاده أن تحذير الرئيس الأمريكي لا يشمل الهجوم غير المتهور.

ولا بد لنا هنا من التذكير بأننا نتناول الأمر من وجهة النظر المهنية البحتة فحسب.

سياق النص الإنجليزي، من حيث النحو والأسلوب، لا يمكن أن يفيد بما ذهبت إليه وسائل الإعلام العربية. ففحوى النص الإنجليزي يخبرنا أن الهجوم، في حال شنِّه، سوف يشكل تهوراً. وهكذا فإن النص الأصل يحمل مدلولين: مدلول رئيسي هو التحذير من شن الهجوم، ومدلول تعليلي أو وصفي هو أن الهجوم سوف يكون بمثابة تهور.

ما نأخذه على معظم محاولات الترجمة في وسائل الإعلام العربية هو أنها جعلت التهور وصفاً للهجوم، وأن المُحَذَّر منه هو الهجوم المتهور؛ في حين أن الفهم الصحيح للنص الأصل يدل بوضوح على أن شن الهجوم في حد ذاته هو موضوع التحذير الرئيسي، وأن التهور هو الهجوم والهجوم هو التهور.

بعبارة أخرى، تتضمن التغريدة رسالتين:

1/ رسالة رئيسية، وهي التحذير من شن الهجوم (مدلول إنشائي)

2/ رسالة ثانوية تعليلية تصف الهجوم، في حال القيام به، بأنه تهور (مدلول خبري)

وعلى ضوء ما سقناه تصبح الترجمة الصحيحة للجملة كالتالي:

“يجب ألا يتهور الرئيسُ السوري بشار الأسدُ فيُهاجمَ إدلب”؛

أو:

“يجب ألا يتهور الرئيس السوري بشار الأسد بمهاجمة إدلب”؛

أو غير ذلك من الترجمات التي تنقل مدلول كلتا الرسالتين الموضحتين أعلاه.

وبما أن مهمة الترجمة، في الأساس، هي نقل الرسالة الرئيسية، فيمكن أن تكون الترجمة صحيحة إذا نقلت المضمون الرئيسي وهو:

“على الرئيس السوري ألا يهاجم إدلب”،

فمثل هذه الترجمة تعتبر صحيحة المعنى لكنها ناقصة الإفادة، لأنها لم تنقل إلينا كون الهجوم يعد تهوراً. لكن إنْ أرادت الصحافة أن تكتفي بالخلاصة والجوهر فيمكنها أن تكتفي بها. وهذا ما فعلته قناة سي إن إن الأمريكية، فقد اكتفت في إحدى قراءاتها بجوهر الخبر فقالت:

President Trump warned Syria against attacking Idlib.

وترجمته: حذر الرئيس ترامب سوريا من مهاجمة إدلب

أما القول إن على الرئيس السوري ألا يهاجم إدلب بتهور، فترجمة خطأ.

ولتوضيح ذلك من المنظورين النحوي والدلالي، نقول:

تأخذ كلمة recklessly قالب الظرف الدال على الحال ، أو ظرف الحال (Adverb)، بحسب تقسيم عناصر الكلام في اللغة الإنجليزية. ويؤثر موقعها من الجملة على المعنى الذي تفيده. فوقوعها قبل فعل الهجوم أفادنا بأن ذلك الهجوم هو التهور نفسه:

President Bashar al Assad of Syria must not recklessly attack Idlib

أما إذا جاءت بعد الفعل، أي في آخر الجملة، ففي هذه الحالة تدل على طريقة القيام بالفعل:

President Bashar al Assad of Syria must not attack Idlib recklessly

فهنا يحق لنا أن نترجم العبارة كما ترجمتها الصحافة العربية: “على الرئيس الأسد ألا يهاجم إدلب بتهور/بطريقة متهورة.”

بيد أن النص الأصل لم يكن كذلك، بل جاءت الكلمة الظرفية قبل الفعل مباشرة ” Syria must not recklessly attack Idlib”، وفي هذه الحالة لا تصف الكلمة الهجوم بأنه هجوم متهور، بل تفيدنا بأن الهجوم هو التهور.

هذا من حيث التحليل بمقتضى السياق النحوي. لكن ثمة شاهد آخر، من السياق الخارجي، يدل أيضاً على أن التهور هو الهجوم نفسه وليس وصفا لطريقة الهجوم. فقد جاء في بيان صدر عن البيت الأبيض ما يلي:

President Trump has warned that such an attack would be a reckless escalation

وترجمته: حذر الرئيس ترامب من أنّ مثل هذا الهجوم سوف يكون تصعيداً متهوراً .

وهنا لا بد من التأكيد على أن الترجمة تُعنى بنقل المعنى المستفاد وليس بإيجاد مقابل للمفردات. ولكل لغة طبيعتها وعبقريتها. ففي اللغة العربية حين نقول “هجوم متهور” أو “الهجوم بتهور” فنحن نصف الهجوم بالتهور، أو نصف طريقته بالمتهورة، ويستفاد ضمناً أن من الممكن ألا يكون الهجوم متهوراً، وألا تكون الطريقة متهورة. أما نفس العبارة المقابلة في الإنجليزية reckless attack فيمكن أن تعني الهجوم المتهور، ولكنها تفيد أيضاً “التهور بالهجوم”، وتعني ضمنا أن الهجوم تهورٌ. وهذا المعنى الأخير هو الذي يدل عليه سياق تغريدة الرئيس الأمريكي.

ومع أننا لسنا بصدد إعطاء درس في اللغة الإنجليزية، فلسنا أهلاً لذلك، فقد يكون من المفيد إن نشير إشارات قلائل إلى تأثير موقع ظرف الحال (adverb) في اللغة الإنجليزية، آملين أن يعين ذلك الباحث الحريص على تلمس مدى تأثير موقع ظرف الحال على الدلالة.

ففي الجملة أدناه، نلاحظ أن ظرف الحال Happily نفسه يرد في الجملة في ثلاثة مواقع وفي كل مرة يختلف معاناه اختلافا بيِّنا:

Happily, Zayd happily plays the lute happily

وترجمتها: من المفرح أن زيداً فرحاً يعزف العود بطريقة تثير الفرح

فهذا مثالٌ على تغير المعنى بتغير موقع الكلمة من الجملة، ورأينا فيه كيف أننا عمدنا إلى استخدام كلمات عربية مختلفة لترجمة نفس الكلمة الإنكليزية.

ولنتأمل مثالين آخرين يضاهيان الجملة موضوع هذا المقال:

Louisa rudely departed.

حيث يرد ظرف الحال قبل الفعل، في مقابل:

Louisa departed rudely.

حيث يرد ظرف الحال في آخر الجملة.

إذا سرنا على غرار ترجمة تغريدة ترامب في الصحافة العربية فإننا سنقول في ترجمة كلتا الجملتين:

“غادرت لويزا بوقاحة”.

غير أن الترجمة الصحيحة هي:

Louisa rudely departed = أساءت لويزا الأدبَ فغادرت

Louisa departed rudely = غادرت لويزا بوقاحة

في الجملة الأولى نفهم أن من حق لويزا أن تغادر، وقد غاردت، لكنها فعلت ذلك بطريقة فظة؛

أما في الجملة الثانية فما كان ينبغي لها أن تغادر لأن من الوقاحة أن تغادر، فلمّا غادرت، تكون قد ارتكبت الوقاحة.

والعبرة المستخلصة من هذه الملاحظات على الترجمة في وسائل إعلامنا هي أن من الضروري أن تعزز مؤسساتنا الإعلامية عنايتها بالترجمة والمراجعة والتدقيق والبحث.

ففي وقت أصاب السبات مجامع اللغة العربية، وحتى الجامعات والمظان اللغوية الأخرى، أصبحت القنوات العربية، بإمكاناتها الكبيرة وبجمهورها المشدود إليها، بمثابة مصانع ضخمة لإنتاج المفردات والأساليب اللغوية. ولذلك فهي مطالبة اليوم بأن تعنى باللغة والتدقيق والترجمة بالغ العناية. فلا يكفي حشد المترجمين الذين يلقى عليهم عبء الترجمة، ويطالبون بالإنجاز في وقت ضيق، وكأنما أداء الترجمة مثل عمل القهوة؛

ولا يكفي حشد المدقيين الذين يدققون الأغلاط النحوية والإملائية؛

بل لا بد من أن تدرك إدارات هذه الوسائل الإعلامية الخطيرة خطورة رسالتها اللغوية، التي لا تقل أهمية عن رسالتها الإعلامية، وأن تدرك قدر الترجمة، وصعوبتها، فتحرص على توظيف مراجعين، ومُعْجَميين، ومَجْمَعيين، يضطلعون بضبط المفردات والمصطلحات والأساليب، ويقومون بمراجعة الترجمات، وتدريب المترجمين والمحريين والمدققيين تدريباً أثناء العمل. وسوف يكون من المفيد جداً أن يكون هناك مختصون يقومون برصد المحتوى اللغوي ويقدمون التعقيبات والتقارير بصورة مستدامة.

إن نهضة الأمة في نهوض لغتها، لأن لغتها هي عقلها.

alra[email protected]


مقالات الرأي – السودان اليوم

شاهد أيضاً

‬‫التصريحات الحالمة.. بقلم هنادي الصديق

السودان اليوم:‫‫وبدأت التصريحات الحالمة تترى، ويبدو أن السيد معتز موسى رئيس الوزراء ووزير المالية في …

div class="clear">