الرئيسية > اعمدة الصحف السودانية > في بادية زرق الخير.. بقلم الصادق الرزيقي

في بادية زرق الخير.. بقلم الصادق الرزيقي

السودان اليوم:

> عدنا للخرطوم من رحلة طويلة ممتعة وشاقة، قادتنا إلى أقصى شمال دارفور في جوف الصحراء السودانية الممتدة حتى ليبيا ومصر، وصلنا فيها مناطق لم تطأها أقدام صحافي من قبل عند أجزاء من وادي هور ومنطقة السبعاني ومجور والوخايم، وقضينا أياماً ما بين هذه التخوم الصحراوية النائية ومنطقة وادي الزرق (زرق الخير)، وهي بادية واسعة وممتدة لما يزيد على مائة وخمسين كيلومتراً من الغرب للشرق من حدود تشاد، حتى تلامس مناطق شمال كردفان والشمالية ونهر النيل شرقاً، وهي منطقة تنهض من جديد بوفرة مياهها الجوفية من الحوض النوبي، لتكون أكبر مستقر وموطن للرحل من رعاة الإبل وأهلنا الذين عاشوا أعمارهم في ترحال مستمر من الجنوب للشمال في كل أرجاء دارفور حتى حدودنا مع جنوب السودان، في ثنائية النشوق والمواطاة التي لا تنتهي وهي مسير ورحيل مع وعبر الأزمنة لا ينقطع.
> في منطقة وادي الزرق التي هي موطن قديم وتاريخي للعرب الرزيقات الماهرية تحت إدارة الشيخ التاريخي الدود معدي رحمه الله وأجداده، ونسبة للظروف البيئية المختلفة، تراجع الوجود السكاني جنوباً، وهجر هؤلاء الرحل مواطنهم واستقروا جنوباً في مناطق مختلفة من شمال دارفور، وبمبادرة من الإدارات الأهلية الزريقات وقبائل الرحل خاصة العمدة جمعة دقلو، تمت إعادة إحياء المنطقة، وقامت مجموعات زمان الجنيد بعمل الدراسات والبحوث، وتم حفر أكثر من (20) بئراً للدوانكي، وأعدت دراسة متكاملة للمشروع في بطن الوادي الممتد لعشرات الكيلومترات، وبدأ تدفق الأهالي من مناطق دارفور المختلفة للاستقرار في منطقة الزرق، وشيدت المدارس والمرافق الخدمية، وخرجت للوجود منطقة الزرق الواعدة التي تعد من أغنى مناطق دارفور والسودان بالمياه الجوفية والإمكانات والموارد الطبيعية والأراضي الصالحة للزراعة والمراعي الممتدة لرعي الإبل والأغنام والضأن والخيول، ونسبةً لأن طقس ومناخ وادي الزرق وبوادي الشمال الصحراوية هو الأصلح لتربية الحيوانات لقلة الأمراض والذباب والحشرات، فإن ذلك أغرى الرحل بالاستثمار في تربية الحيوانات وزراعة القمح والمحاصيل الشتوية وارتياد تلك الأرجاء واكتشاف إمكانات ضخمة ظلت بعيدة عن الأضواء لا يعرف عنها الناس شيئاً.
> قضينا ليلتين في منطقة مجور والسبعاني بين ليل تلمع نجومه من شدة الظلمة ويصفو هواؤه النقي، وكانت قبائل المنطقة خاصة الرزيقات أهل الإبل والكبابيش العطوية وأولاد راشد والزغاوة والقرعان، يمثلون صورة وواقعاً ظل محجوباً عن الناس لأزمان وحقب طويلة، فقد ظلوا يعاندون الصحراء بغلظة عيشها وجفافها وشظفها وهمومها، ويواجهون الظروف الحياتية القاسية لقلة الماء الذي حبسته الأرض تحت جوفها، ثم واجهوا الحركات المتمردة التي كانت تتخذ من تلك المناطق ملاذاً ومراكز وجود ومعبراً إلى ليبيا القذافي وليبيا الحالية.
> وظل هؤلاء قابعين وراء صمتهم وتبرمهم، لم يحظوا قط باهتمام من الدولة والحكومات المتعاقبة، كانوا على هامش الحياة واهتمامات السلطات، لكنهم الآن ينهضون من ركام الماضي بفضل جهود أبنائهم واستتباب الأمن والأمان الذي ساد دارفور وعم أصقاعها .. فهذه هي المناطق الواعدة التي تختزن وعدها الذي لا يخيب، لا تعاني من شُحٍ في المياه فالماء في البئر قريب على عمق مئتي قدم فقط، وتوجد مؤشرات حول وجود معادن ومواد أخرى غالية الثمن عالية الطلب.
> الطريق البري إلى ليبيا الذي عبره آلاف السودانيين من سنين طويلة بدا مقفراً بسبب إغلاق الحدود، ومنطقة وادي هور امتلأت بغطاء نباتي كثيف للتغيرات المناخية التي حدثت في السنوات الأخيرة، وهجران الرعاة تلك المراعي في سنون الحرب.
(نواصل).

click to Copy Short link:
https://alsudanalyoum.com/GmoUV


مقالات الرأي – السودان اليوم

div class="clear">