الرئيسية > اخبار السودان الان > جريمة اغتيال الدولة السودانية رقم 5: بداية خط الانكسار في مسيرة الدولة

جريمة اغتيال الدولة السودانية رقم 5: بداية خط الانكسار في مسيرة الدولة

في هذه اللحظة الحرجة من واقعنا المرير بين الأمم، بدأ البعض يوزع صكوك الوطنية دون أدنى علم بالمفاهيم والقواعد والمعايير التى تقاس بها الوطنية، في لحظة غابت فيها الاحلام وتبعثرت فيها الأمنيات وأصبحت دولتنا عارية  الجسد مكشوفة العورة أمام كل الدول، معلول القلب مشلول الأطراف، تعاني الفقر و الجهل و المرض لا لضعف الامكانيات، ولكن لقلة الممكنات وضحالة فكر من يتولون قيادة الدولة، وذلك لانحسار عقولهم وضيق افقهم، بينما الناس من حولنا يتسابقون على تحصيل أسباب المنعة والقوة والتفوق في شتى ضروب الحياة، ونحن مازلنا  في ضروب التيه والحيرة سائرون.

ورغم قتامة المشهد، فإن المدرك والمتتبع لحركة التاريخ وتحولات الأمم، يعلم أن بزوغ أي فجر يسبقه ليل طويل. وكما تعافى أمم من حولنا (رواندا، أثيوبيا)، فإننا قادرون على اكتساب أسباب المنعة ولو بعد حين، فالكل مسئول ان يعيد النظر في التصورات التى تأسست عليها الدولة.

فإن من اسباب إنهيار الدولة السودانية تلكم التصورات التي وضعتها الفكر المأزوم للنخب الحاكمة بأنها دولة عربية إسلامية مما ادي الي تعريف  السوداني من حيث اللون والاثنية والسحنة والموقع الجغرافي، هذا الفكر والتوجه هو الذي أفقدنا هويتنا، ولم يكن مهد صدفة، وانما بإجهزة تحطيم الثقة بالذات من خلال اعلام النخب الحاكمة، فإن إي شعب يفقد هويته فمصيره الى الزوال (ود عرب مسلم من الشمال الجغرافي درجة اولى، ود عرب غير مسلم من الشمال الجغرافي درجة ثانية، ود عرب ومسلم من الغرب او المناطق المهمشة درجة ثالثة، غير ود عرب ومسلم وذات ملامح افريقية درجة رابعة، وهكذا تتوالى التراتبية الاجتماعية) وترتقي في سلم الدولة بقدر الدرجة التي تنالها من التصنيف سيء الذكر.

نُظم الحياة الاجتماعية والسياسية لم تتغير الي الْيَوْمَ مع توافر  الظرف المناسب، والدليل على ذلك لا يمكن لأهل المناطق المهمشة أن يتجاوزوا النائب الثاني، لا لشيء إلا لان رأس المال الاجتماعي الذي يتمتعون به وفق المعايير الموضوعة من قبل النخب الحاكمة لا تؤهلهم لذلك، إحياء كانوا أم أموات، لذلك عندما تم رفض دفن الدكتور عبدالنبي، رحمه الله في مقابر الانصار مع العرق النقي على حسب زعمهم لم تكن هنالك تنديد جماعي من النخب لإدانة ومحاربة هذا السلوك المشين، الذى ما زال حيا ومثمرا إلى يومنا هذا.

فمن دون تصحيح المسارات السالبة وتحرير الاجيال القادمة من اسر السياسات المتبعة والتي افقدتنا القدرة على معرفة شروط تأسيس دولة المواطنة ومعطيات الاستقرار فيها، ومن دون مخاطبة جذور المشكلة فيها بعيدا عن معالجة النتائج التي جعلتنا ندور في حلقة مفرغة وتجارب عقيمة، لا نكاد نخرج من محنة إلا دخلنا في محنة اكبر منها حتى تضاءلت قدرتنا في ايجاد رؤية نستطيع الخروج بها من النفق المظلم ونبني دولة مستقبل تستطيع أن تتعايش فيها الجميع،  دولة يتمتع فيها الجميع بنفس الحقوق والواجبات، ويرتقي في  السلم الوظيفي على حسب الكفاءة بعيدا عن المحاصصة والترضيات.

الدولة  تعاني من منظومة أفكار مهترئة نحتاج إلى إزالتها، فقد تكون مُرَّة ولكن تلك طبيعة المعالجات. فالإسلام أو التدين ليس فقط في العقآئد والعبادات وإنما في شتى ضروب الحياة، والصالحون ليس هم العباد فقط وإنما هم التجار والصناع والاقتصاديون والقانونيون والأطباء والصيادلة والمهندسون  والمزارعون و المناضلون من أجل حرية الشعوب وحقوق الإنسان والحيوان ومنهم الرجال والنساء كلهم مهمتهم إعمار الأرض ووقف سفك الدمآء والإفساد والفساد ونشر فضيلة الأخلاق والبر والرحمة والصدق وصلة الرحم وإكرام الجار والعدل والحرية وكرامة الإنسان، وكل هذه قيم إنسانية يحتاجها الاستقرار.

توالت الكوارث منذ الاستقلال ولكن أكثرها كارثية هي سني الإنقاذ، أصبحت حالة الدولة في انحدار مستمر نحو الهاوية والكل يلقي اللوم على الطرف الآخر ولكن لا مراجعة للذات. فأن استمر هذا في زمن الغفلة والضياع،  فبأي مسؤغ يستمر تداولها الآن. فالكل محتاج الي مراجعة عميقة مع الذات. كما لم يكن لنا خيار الانتماء الي ماضينا ولكننا نستطيع أن نختار منه ما يلزم حاضرنا ومستقبلنا.

الرحلة طويلة تحتاج إلى وقوف وسؤال للذات قبل الآخر وهي مهمة ليست يسيرة كلنا اليوم ندفع ثمن السطحية وعدم الغوص عميقا في الظواهر الطبيعية والبشرية التي تقبل بالتنوع والاختلاف كسبيل للثرآء وجعله فكرة أساسية في المنظومة الفكرية، وان يتم وضع آليات للضبط والمراجعة ليصبح مثمرا بدلا من مصادرتها وقمعها، فالنتائج التي تنشأ عن عدم احترام الاختلاف كارثية، فهى تعني  أن شخص ما يعتقد أنه يمتلك العرق النقي اوالحقيقة الكاملة ومن حقه أن يصادر بقية الآراء وان يقسر الناس على مراده وينكر عليهم حق الاختلاف والفارق كبير بين تنظيم الاختلاف وقمعه وقتله ومصادرته.

إستلاب ثقافة الأطراف واحتقارها ووسمها بالتخلف والعار بل يعاقب عليها في المدارس اذا مورست حتى وإن كانت الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين الطلاب، وتعتبر جريمة ثقافية إنسانية لأنها ببساطة تدمير للتنوع و قطع للألسن و إختلافها، و هي من آيات الله ” و من آياته إختلاف ألسنتكم و ألوانكم ”  فالحرب اليوم لا تدار بالمدافع  وطآئرات الأنتنوف، وإنما حرب نفسية لاستلاب القلوب والعقول وهي أشد خطراً وأعظم أثراً، ناسياً بأن الثقافة منتج حضاري يعبر عن قيم المجتمع والأفراد والتي تشكلت في بيئة معينة محاطة بمجموعة من الخصآئص المعبرة عن هويتها ووجودها.

كما ان الاعلام الرسمي للدولة تستهجن وتستنكر كل اللغات اللهجات والسحنات ناهيك عن الاحتراب الممنهج الذي يستهدف التعليم ومنابر التثقيف المختلفة، وكذلك استخدام  النخبة الحاكمة جميع الأدوات والعناصر المنتجة للمعارف بقصد الهيمنة على مجتمع متعدد الأعراق مما إنتج ثقافة ومبادئ تخالف قيم وتقاليد المجتمع وتم  تشكيل الخارطة الذهنية وفق ما يريدون.

لم تقف المسألة عند هذا الحد ، بل استمرت أكثر من ذلك  بتغيير اسمآء مناطق بعينها لأنها لا تتماشى مع برنامج الصحوة الإسلامية ، بغض النظر عن المعاني والمدلولات لاسمآء تلكم القرى والمدن، فعلى سبيل المثال، تم تغيير عريجة إلى  عديلة وعد الغنم إلى عد الفرسان واضان حمار بفردوس الخ، بينما ظل الدبة وكرفاب وتمتام وعفاط الخ،،، على ما هي عليها، لا لشيئ إلا للموقع الجغرافي،  بينما من التخلف أن تشرب أو تعمل أم طبج داخل العاصمة ولكن عادي جدا تشرب شربوت وتباع داخل الأسواق ناهيك عن أن تصنع او تذكر اسامي المأكولات الشعبية (مندجة، جوقو جقو، دودرة، مرس،  مصران،) كيف لأنسان أن يفكر بهذه الطريقة ما لم ير لنفسه حقا خلاف سائر البشر.

توقف العطاء الفكري مبكرا فساهم بعض الفقهاء في  أبعاد الناس عن مركز الإسلام (القرآن والسنة) وقسرهم على اتباع نمط الدولة العباسية باعتبارها دين ماذا كانوا يأكلون ويلبسون ويشربون، مما أنتج فقهاً يدعو الى القبول بالظلم وانتظار الاقدار لتغير الواقع، فتمكنت هذه النظرة في الفقه الاسلامي، وانشأت كثيراً من المدارس التي لم تكن تدرك خطورة هذا المنهج على مجمل حركة الحياة، فأصبح الشكليات أهم من المضمون والمحتوى، كما أصبحت الشعارات جوفاء لا تخاطب أشواق ووجدان الناس، بل وسيلة للتكسب والارتزاق ومن خلالها تعتلي اعلى درجات السلم الاجتماعي والوظيفي،  فأوجد مجموعة من محترفي النفاق يتمركزون حول نقطة اتخاذ القرار في  الدولة مما أدى الي انفصال الحكم عن المشروع ولَم ينفصل عن الدين في شكله الطقوسي لانه أدارة لكسب الشرعية وإضفاء القدسية وتسكين الشعب.

الخروج من هذا المأزق هو تحدٍ لابد من اجتيازه وبنآء  دولة تكون فيها إرادة الشعب فوق إرادة الأفراد، وتحترم مكنوناتها ، تتمركز فيها المبادي الانسانية والسماوية، جوهرها حقوق المواطنة في الأمن والقضاء والعدل والمساواة وسيادة القانون بغض النظر عن الجنس  أو الدين  او اللون او القبيلة أو الموقع الجغرافي أو درجة فقره أو غناه أو الطبقة الاجتماعية له ولعائلته  وحقه في تولي الوظائف العامة. نريدها دولة يتوافق فيها المجتمع على شكل محدد لأنتقال  السلطة يؤمن الاستمرارية ويقلل الخلافات. فكل ما نطلبه لأنفسنا يجب أن يكون لغيرنا أيضا.ً

بما أننا صحاب قيم ومبادئ عنوانها الأبرز الرحمة بين العالمين. فالقيم الإنسانية في بلادنا جلها معلقة في الفضاء أو كلمات للاستهلاك المحلي نتحدث بها ولكنها معدومة في أرض الواقع فهي مجرد عبارات تلوكها الألسن دون أن تتحول إلى سلوك عام على مستوى الأفراد و النخب الأحزاب أو  السلطة الحاكمة. هذه الاشكاليات تعطي مؤشرات على عدم النضوج الفكري للمجتمع.

فمتى نتحرر من واقعنا المأزوم التي تسيطر عليها ثقافة اللامساواة ثقافة السادة والعبيد، فليعلم الجميع أن الحقوق تنتزع انتزاعا ولا تمنح، والعبيد هم فقط من ينتظرون السادة أن يمنحونهم بعض الحقوق، فمتي  ننزع حقوقنا. كفى شعارات، رؤسآء أحزاب لا يتغيرون و يطالبون بما لا يؤمنون به في داخل احزابهم وكأن هذه الأحزاب ملكية خاصة لهم ولأسرهم. وآخرون مهمشون وهم يعتلون الكراسي على جماجم الضعفآء، ثم يغيرون قناعاتهم ليستفيدوا من مال الشعب. متى نخرج من الأنا الضيقة الى فسحة الانسانية الرحبة، كفاية أيها الشعب أن تأخذ دورك الطبيعي أن تنزع حقك كاملا وان تعي أن العصر هو عصر الشعوب
وليس عصر الأفراد

د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
[email protected]


الراكوبة

div class="clear">