نار ونور
د. ربيع عبدالعاطي عبيد
ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة


* لا يبكي أحد لفقد أصابه بحرارة ، ومشاعر صادقة إذا كان الأمر لا يهمه ، وليست هناك صلة جوهرية تجعله يحس إحساساً بالألم ، ذلك لأن صاحب الدابة هو الذي يبحث عنها ، ويتأثر كثيراً بفقدانها ، أو نفوقها ، ذلك لأن الفائدة لا تأتي من عدم ، والمنفعة لا تحقق بناء على خيال جامح ، أو تصور يصطدم مع الحقائق ، ويتضارب مع الوقائع ، وليس بينه وبين الحقيقة صلة توحي بالإرتباط.
* وأصحاب المبادئ العظيمة ، والعقائد المقدسة ، والإيمانيات العميقة هم الذين يبذلون الجهد ليروا فكرهم على أرض الواقع ، وقد جرى تطبيقه ، كما أنهم هم الذين تنفرج أساريرهم ، وتطمئن قلوبهم ، وتشيع الفرحة في صدورهم عند ما تنتصر مساعيهم ، وتكلل بالنجاحات.
* أما أولئك الذين يذرفون الدمع كذباً وتصنعاً ، إنما يكون بكاؤهم على زرع أتلف ، وهم ليسوا من ملاكه لكنهم كانوا ينالون من ريعه قسطاً، وهكذا تكون دموعهم بقدر الذي فقدوه من نصيب يساوي فقط القدر الذي يتناسب مع القيمة التي تدفع لهم مقابل الذي بذلوه من نشاط ، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة بأى حال من الأحوال.
*والدول التي يشمخ بناؤها ، ويعلو شأنها ، وتنافس في مضمار محيطها ، لا شك بان الذين كانوا وراء إنشائها هم من ذرفوا الدمع ، وبذلوا الجهد ، وهو ليس بجهد المُقِل ، ولكنه جهد الذي آمن بفكرة ، فضحى في سبيلها ، وصدق بحديث ، فعمل بإخلاص من أجل أن يتحول هذا الحديث إلى عمل ملموسٍ ، وإنجاز محسوس ، وليس كالذي تنطق به الألسن ، ويذهب مع الريح إلى مكان سحيق.
*وكثيرون لا يؤمنون بالمشاريع الطموحة ، ولا يحتفلون بالإنجازات العظيمة لكنهم لا يجدون بداً لتـأييد الذين كانوا من خلفها لحاجة في نفوسهم ، فيتظاهرون بمظاهر للفرح غير حقيقية ، ولا يتردد معظمهم في حرق بخور ، أو دق طبلٍ لمن كان سبباً في مثل تلك الإنجازات ، ولكن عند ما تحدث الحادثات ، وتختلف الأحوال ، وتقع الواقعة في شكل مصائب ، أو ظروف قاهرات ينسل أولئك الذين أيدوا بدافع النفع القريب ، والمصلحة العاجلة ، ولا يبقى مع الذين يتأثرون بالخسارة ، ويتألمون بفعل المصيبة إلا من هم أصحاب العظم واللحم ، وليسوا من الذين تعودوا على إبداء المشاعر الكاذبة بينما هم أهل نصب وسرقة وإغتصاب.
* وما زلنا نقول بملء أفواهنا على سبيل النصح ، وإبداء كلمة الصدق ، لمن ينشدون المجتمع القائد ، والدولة الرائدة ، بأن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة بأى حال من الأحوال ، وسنظل نلهج بذلك إلى أن يستبين الحق ، ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد.


div class="clear">