Home > مدونة السودان للتقنية > خطبة الجمعة.. بقلم الفاتح جبرا

خطبة الجمعة.. بقلم الفاتح جبرا

السودان اليوم:

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وجعل منه مصدر هداية وإشعاع وأمل يوصل المسلم إلى أسمى الغايات وأرفع الدرجات، فقال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1 – 4]، وقال جل من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 9-10].
نحمده على ما أنعم ووفق وأعان، ونصلي ونسلم على المعلم الأول محمد بن عبد الله ورسوله إمام العلم والتقى والسراج المنير خير من علم الأمة، وعمل بما علم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح الدجى وأقمار المعارف ونجوم الهدى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
إن العلم – عباد الله- من أجلُ الفضائل، وأشرف المزايا، وأعز ما يتحلى به الإنسان، فهو أساس الحضارة، ومصدر أمجاد الأمم، وعنوان سموها وتفوقها في الحياة، ورائدها إلى السعادة الأبدية، وشرف الدارين.
والعلماء.. هم ورثة الأنبياء، وخزَّان العلم، ودعاة الحق، وأنصار الدين، يهدون الناس إلى معرفة الله وطاعته، يوجهونهم وجهة الخير والصلاح.
قال تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ((11) سورة المجادلة).
وقال عز وجل: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر من الآية:9).
وإذا أرادت أمة أن تنهض وتترقى في مدارج العز فإن أول ما ينبغي عليها هو أن تعلي من شأن العلم والعلماء؛ فلا ينبغي أن يقدم على العلماء والمعلمين أحد، كما ينبغي بذل ما يجب لهم من الاحترام والتوقير والتأدب، قال شوقي رحمه الله:
قــم للمــعــلــم وفـــه التبجـيـــلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولا

أيها المسلمون:
عندما كنا كمسلمين في مقدمة الأمم نهضة كان للمعلم وللعلماء الحظ الأوفر من الرعاية والتكريم وهنالك العديد من الروايات التي تؤكد على ذلك، حضر زيد بن ثابت رضي الله عنه جنازة فلما أراد أن ينصرف أخذ عبد الله بن عباس بركاب زيد (وهو الحديدة التي يضع فيها قدمه ليركب الدابة) فقال له زيد: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنا هكذا نصنع بعلمائنا.
وكان الإمام أبو حنيفة لا يمد رجليه ناحية بيت معلمه حماد رحمه الله احتراماً له، وبين بيت أبي حنيفة وبيت معلمه المسافة الطويلة.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله إذا جلس في مجلس الإمام مالك رحمه الله يقلب الأوراق برفق شديد حتى لا ينزعج معلمه الإمام مالك.
أما الربيع بن سليمان فيقول عن نفسه: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلى هيبة له.
وهذا هارون الرشيد الذي حكم نصف العالم والذي كان يخاطب السحابة العابرة فيقول: (أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك)… يطلب من الإمام العالم الأصمعي أن يؤدب له ولديه وأن يعلمهما، وفي ذات يوم مر هارون الرشيد فرأى الأصمعي يغسل قدمه والذي يصب له الماء هو ابنه، ابن هارون هو الذي يصب للأصمعي الماء حتى يغسل الأصمعي قدمه.. طلب هارون الرشيد الأصمعي وقال له: إنما دفعت به إليك لتعلمه وتؤدبه أفلا طلبت منه أن يصب الماء بإحدى يديه وأن يغسل قدمك باليد الأخرى؟.

أيها المسلمون تعالوا ننظر إلى حالنا مقارنة بالغرب (الملحد الكافر) فقد ذكر جاء في بعض وسائل الإعلام أن إمبراطور اليابان سُئل ذات يوم عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير، فأجاب: بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير.
كما جاء أيضاً أن القضاة في ألمانيا حينما طالبوا بأن تتم مساواتهم في الرواتب بالمعلمين، ردت عليهم المستشارة أنجيلا ميركل مستنكرة بقولها الشهير: كيف أساويكم بمن علموكم؟.
أما واقعنا اليوم في تعامل الدولة مع المعلمين فهي حال يندى له الجبين وهي حال لا تبشر أبداً بخير فعلى الرغم من أن أجور ومرتبات المعلمين تعد من أدنى الأجور ولا توفر لهم الحياة الكريمة اللائقة نجد أن الدولة تقوم بتأخير صرف هذه المرتبات لأشهر عديدة، وقد جاء في أخبار الأمس أن المعلمين بخمس ولايات بالسودان لم يصرفوا مرتباتهم الزهيدة لأكثر من أربعة أشهر!

عباد الله:
لقد رفع ديننا الإسلامي شأن المعلِّمين والعلماء وأعلى قدرهم ووضعهم في المكانة اللائقة بهم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}، وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد ذلك، كما في قوله – صلى الله عليه وسلم: (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)، فكيف يغيب عن المسؤولين لدينا أهمية المعلم؟ وأي مستقبل ينتظر بلادنا والمعلم أدنى الناس مرتبة وأنقصهم مرتبا ؟ إنه والله لمستقبل مظلم والعياذ بالله.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا مريضاً إلا شفيته ولا ميتاً إلا رحمته ولا طالباً أمراً من أمور الخير إلا سهلته له ويسرته اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا بلداً آمناً وارزقه من كل الخيرات وجنبه الفتن ما ظهر منها وما بطن اللهم نسألك التوفيق والسداد والهداية والرشاد وحسن العقبى وحسن الميعاد واتنا ربنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فهو الغفور الرحيم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله..

click to Copy Short link:
https://alsudanalyoum.com/mL0eK


مقالات الرأي – السودان اليوم

div class="clear">