Home > مدونة السودان للتقنية > منو قال انتهينا.. نحن في عزّ الشهامة والإنسانية!!.. بقلم ام وضاح

منو قال انتهينا.. نحن في عزّ الشهامة والإنسانية!!.. بقلم ام وضاح

السودان اليوم:

في قروب يجمعني والأخ الأستاذ الصديق “عاصم البلال” قام من خلاله الأخ “عاصم” بعرض صورة لشاب تعرض لحادث، ربما يبدو في ظاهره بسيطاً لكن نسبة لظروف صاحبه تحول إلى كارثة تهدد حياة صاحبها، والصورة عرضت يد شاب أحد أصابعها متورم بشكل لا يمكن تصوره، وتحول بالكامل إلى شيء أقرب للخشب. والسبب أن الشاب لبس خاتماً أضيق من إصبعه فتعرض لتورم تضاعف وتضاعف فقط لأن الشاب ليس في حالة نفسية متوازنة ويعاني التشرد ويقضي يومه في الشارع.
وكتب الأخ “عاصم” أن أحد الإخوان يقود مبادرة علاجه وهو من أبناء (شمبات)، ولما نقول (شمبات) فإننا نعني الأصالة و(الرجالة) والطيبة، وهو منذ عيد الأضحى الماضي داخ على المستشفيات الحكومية في بحري لإنقاذ الشاب من غير جدوى، فبعضهم تعلل بعدم وجود قسم لجراحة التجميل، ومستشفى مرجعي كبير تعلل بأن غرفة العمليات (مليانة موية مطرة).. وما كتبه الأخ “عاصم” عن حالة الشاب كان مؤلماً ومحبطاً أن يعاني شخص الإهمال فقط لأنه في نظر المجتمع متشرد أو مريض نفسي، والصورة في حد ذاتها كانت مؤلمة لا يستطيع تحملها شخص يحمل في قلبه ذرة إنسانية، لذلك قمت في ذات اللحظة بالاتصال بالأخ “عاصم” لمعرفة مزيد من التفاصيل ووجدته مثلي لا يقل ألماً وحزناً وملكني اسم الآخر المتابع للحالة وهو “أحمد العكد” الذي علمت أنه يتابع الشاب المريض صباح مساء، وأنه يعلم مكانه أو نقطة وجوده في الشارع، وكان “أحمد” محبطاً وغاضباً من التجاهل الذي وجده “عمار” (صاحب الإصبع المتورم)، وعندها قلت لـ”أحمد” أديني عشر دقائق والمشكلة تتحلّ بأذن الله وثقتي التي تحدثت بها استمددتها من ثقتي في الله أن يرحم هذا الشاب ويجعلنا سبباً في رفع معاناته، وسببها أنني كنت أعلم جيداً وهو علم بدرجة اليقين أن الشخص الذي سأتصل به لن يردني خائبة مكسورة الخاطر، وهو طبيب بدرجة إنسان كامل الإنسانية وسوداني بملامحه وأخلاقه وشهامته ورجولته، تضاعفت وتمددت هذه الصفات إلى ما لا نهاية وهو ينتمي للقوات المسلحة مصنع الرجال وعرين الفرسان حيث الانحياز لإنسان السودان منذ أن ولدت هذه المؤسسة العملاقة، ومن أعنيه هو سعادة الفريق طبيب “خاطر محمد طوباي” مدير الإمدادات الطبية بالقوات المسلحة الذي ما أن رد على هاتفي وأخبرته بتفاصيل القصة حتى قال لي: (شوفي يا أم وضاح نحن زول يجينا في السلاح الطبي ده نمرقوا ساي مافي ونحن للناس وبالناس، لذلك هذا الشاب يحضر فوراً للمستشفى يتعالج وتتعمل ليه عمليه إذا احتاج ويصرف دواه وياخد مصاريفه ويأكل ويشرب لمن يتعافى وكمان نشوف حل لحكاية التشرد دي)!!
أصدقكم القول كدت أن أبكي أو لعلي فعلت ولم أجد ما أقوله للرجل سوى: جزاك الله خيراً ومن يجزيك يا سعادة الفريق أكثر منه خير الدنيا والآخرة.. وبالفعل اتصلت على “أحمد العكد” ونقلت له البشرى لكنه قال لي إن مشكلة أخرى تواجهه فإن “عمار” يمكن
أن يعاند (وما يركب عربيته الخاصة) لكن لو وجدنا دورية شرطة فالشاب سيستلم ويذهب بدون مقاومة هو غير ملام عليها حسب ظروفه النفسية.. وهنا تبدأ فصول ملحمة أخرى من الإنسانية والرقي والأدب، وقد اتصلت مباشرة بالأخ المقدم “رجب” مدير قسم الصافية، والرجل لا تربطني به سابق معرفة، وأخبرته بالقصة وتفاصيلها فكانت استجابته السريعة بتوفير الدورية وصرف الأوامر بحمل “عمار” إلى وجهته، بل إن المقدم “رجب” ظل متواصلاً معي يسأل عن الشاب حتى اطمأن على علاجه.
وعند الدورية، خلوني أقيف وأضرب تعظيم سلام لأفرادها “منتصر” و”محمد” و”عبد الله” و”مجدي” الذين أعانوا “العكد” في غسل “عمار” وتنظيفه وتبديل ملابسه المتسخة قبل ذهابه إلى المستشفى وقد ضربوا مثلاً رائعاً في الإنسانية ونبل الأخلاق.. وبالفعل وصل “عمار” إلى السلاح الطبي ووجد الأوامر مباشرة من سعادة الفريق باستضافته، وأجريت له الفحوصات كافة وكان قرار الطبيب أنه وللأسف لابد من بتر الإصبع حتى يمكن إنقاذ اليد بأكملها، لتتم العملية الجراحية عند الثامنة مساءً ويخرج بعدها إلى العنبر معافى بإذن الله.
سردت هذه القصة بطولها وعرضها لأؤكد أننا كسودانيين سيظلّ الخير فينا إلى قيام الساعة.. وسردتها لأؤكد أن نماذج الإنسانية التي تصلنا من الخارج عندنا أكثر منها ويزيد وتحدث يوماتي لكن لا تجد من يعكسها أو يوثّق لها.. سردت هذه القصة لأقول للذين يظنون أن زمن الشهامة والمروءة والنجدة قد انتهى هم واهمون ومتشائمون أكثر مما يجب.. نحن لا زلنا بخير مترعين بالقيم والمعاني النبيلة نشد بعضنا بعضاً كالبنيان المرصوص، لم تخمد فينا نار النخوة ولا جذوة (الرجالة).. فشكراً لكل الذين انفعلوا وتفاعلوا مع “عمار”.. شكراً الملازم “صدام دبايوا” ود كسلا الوريفة الشاربة من الطيبة ديمة الذي ساهم في ربط الأخ “أحمد العكد” بالأستاذ “عامر حسون” الذي تفاعل مع القضية في بدايتها.. والشكر لسعادة اللواء “ياسر البلال” الذي حدثني “أحمد العكد” أن أول محاولة لعلاج “عمار” تمت بعد أن أصدر سعادته أوامره بالبحث عنه لأنه غير ثابت الإقامة.. والتحية لود شمبات “محمد عبد السلام” الذي ظل بالمستشفى منذ الصباح حتى انتهاء العملية.. والشكر لحاجة “مريم” (ست الشاي) السيدة البسيطة السودانية الأصيلة التي لم تبخل على “عمار” بالقهوة والشاي طوال وجوده بالشارع.. والشكر لحاجة “عرفة” (بائعة الطعام) التي ظلت تطعمه (وما فرقت معاها ربح أو خسارة) لأنها تطمع وتطمح في الربح الأكبر عند من لا تبور عنده تجارة ولا ببع.. الشكر لوالد ووالدة “أحمد العكد” وهما يسألان عن “عمار” ويلومان “أحمد” أن تأخر عنه لذلك لم أستغرب عليه هذه الإنسانية والرحمة.. الشكر لكل شباب قروب (وصف لي) الذين تداولوا حالة “عمار” و(شيروها) حتى غيض الله له الفرج والعلاج.. الشكر للعميد “عماد الجزولي” المشرف العام بالإصابات والطوارئ في السلاح الطبي الإنسان المحترم.. الشكر للشابة مآب ولعم “الفرزدق”.. والشكر من قبل ومن بعد لله عزّ وجلّ الذي لا يُظلم عنده أحد ولا يتوقف مدد رحمته.
{ كلمة عزيزة
لو كنت مكان والي الخرطوم الفريق “هاشم عثمان” لطالبت المعتمدين بكشف حساب لإنجازاتهم طوال الفترة الماضية، وعندها يا سعادتك ح تعرف منو شغال في المرافق والمدارس والطرق والنظافة، ومنو كل إنجازاته إنه احتفل بليلة رأس السنة وعيد الاستقلال الماضي.
{ كلمة أعز
لو استمر السيد رئيس الوزراء وزير المالية في إصدار قرارات مهمة كقرار تحرير بيع الذهب وأولوية توفير الأموال لاستيراد الدواء، أحسب أن الضباب الاقتصادي الذي نعيشه سيتلاشى ولو جزئياً عما قريب!! فقط من غير ظهور خفافيش الظلام.

click to Copy Short link:
https://alsudanalyoum.com/YYbhe


مقالات الرأي – السودان اليوم

div class="clear">