الرئيسية > اخبار السودان الان > جمال الدين علي – صحيفة الراكوبة

جمال الدين علي – صحيفة الراكوبة

ذات يوم صنعت لي أمي دمية صغيرة من سيقان الذرة اليابسة; صممت الهيكل كما  يجب. رأس مستدير ومرفوع لأعلى. اليدان مشرعتان والساقان طويلان ومستديران. انتزعت أمي خصل من شعر رأسها كانت ملتصقة بالمشط وثبتتها برأس الدمية; فأصبح لها شعر  طويل. بقلم الفحم رسمت أمي على رأس الدمية عينين سوداوين واسعتين; و لفتها بشريط من القماش أسفل الظهر; فاصبح للدمية مؤخرة صغيرة مثل ليمونة. الخصر تركته فارغا. و فصّلت من ثوبها القديم فستانا أنيقا ألبسته جسد الدمية; فبدأ  مناسبا لسنها. ابتسمت أمي وقالت بسخرية: حين تكبر الدمية وتصبح فتاة تلفت أنظار الرجال نضع لها  بعض المكياج; نخطط حاجبيها ونلون شفتيها; قليل من البودرة على الخدين لا يضر;  الشعر سنتركه كما هو منسدلا. انه مثل عصابة  حمراء برأس الرمح; وحبذا لو  كان مهفهفا مع النسيم; ستقع عليه أعين الرجال منذ الوهلة الاولى ويكون ذلك في العادة بعد النظرة الأولى الخاطفة انها مثل فلاش الكاميرا بل هي مثل جهاز التصوير بالأشعة تصور الجسد مهما جاهدة الواحدة في تغطيته; وتطبع صورة سريعة غاية في  الوضوح. الصدر سنضع عليه تفاحتين يانعتين أما الخصر سنتركه كما هو ضامرا  وضيقا.
تزم أمي شفتيها وهي تحزم خصرة الدمية: الخصر  يجب أن يكون مدورا مثل حلقة وضيقا كخاتم وإلا لن يظهر أناقة ما ترتديه. غمزت أمي بعينها: أتينا للجزء الهام في المسألة برمتها. المؤخرة سوف  نجعلها فاخرة ومتكورة ومكتنزة ومرتجة بلا اندلاق. أعرف صنف الرجال جيدا. ذلك الجزء الهام يستطيع أن يلوي أعناقهم في جميع انحاء العالم وبلا استثناء. يجعل أعينهم تقفز من مكانها ولعابهم يسيل. الساقان سيكونان أملسان ومستديران وحبذا لو انتعل القدمان حذاء بعكب عال له وقع على البلاط يلفت النظر إلى السمانة النضرة.
– لماذا يا أمي لا تصنعين لي حصانا من الطين مثل حصان أخي جدو.  أنا أحب الأحصنة ولا أحب الدمى. أسال برجاء.
– لا. البنت سوف تصبح عروسة في يوم من الأيام. لذا يلزمها عروسة حلوة أما الولد فسوف يكون الفارس الذي سوف يخطف العروسة بحصانه الأبيض ويطير بها إلى مملكتها الخاصة.
– ولكن يا أمي; لم عليّ أن الفت نظر الرجال دون سواهم. الا يوجد مخلوقات غيرهم في هذا الكون؟ صديقي ميدو في  الروضة  لا يهمه مثل هذا الكلام. كل همه أن نلعب ونلهو بالطين والتراب. يبني لي قصرا من الرمل فأهده ثم يعيد بنائه من جديد. يحث التراب فوق رأسي ويلطخ فستاني ووجهي بالطين; فلا أزعل ولا أحزن. ويحرص دوما إلا يضايقني بقية الأطفال.  صديقي ميدو سوف يصنع لي حصانا. لن أقبل أن أكون رديفة له في حصانه. سوف يكون لي حصاني الخاص. أمتطيه وأسير بقربه. يسابقني. أسبقه أو يسبقني ليس مهما. المهم أن نصل الى وجهتنا. وكل واحد منا يمتطي حصانه الخاص.
– خلي عنك الفصاحة. قالت أمي وهي تضع نقطة سوداء بقلم الفحم على جبهتي.
– هيا خذي دميتك الحلوة والعبي بها بعيدا عني.
وضعت أمي  الدمية على صدري وقامت لتتفقد شغل البيت; ولما أخذت الدمية بحضني; شعرت أني أحضن  جثة. لم أحس تجاهها بما تحسه الصغيرات. ذلك الاحساس الغامض الذي كنت أقراءه في أعينهن. هو مثل نفحة أمومة صادقة مكتومة تريد الخروج من ثقب صغير. رشة عطر فواح لا تعرف مصدره ولا الزهور التي استخلص منها ولكنك تشتهيه وتريد أن تقتنيه. مثل غيمة عابرة بدأت تتشكّل وقبل أن تهطل تلاشت بلا سبب مقنع . كان ذلك الاحساس الغامض الذي كنت أطالعه في أعين صديقاتي ولم أحسه يوما. هل أنا مختلفة عنهن؟ هن طبيعيات وأنا الكلمة الشاذة. أم هن الكلمات الخطأ وأنا الكلمة الصحيحة؟ عليّ أن أختار. أضع دائرة حول الاجابة الصحيحة أو علامة صح. في بعض الاحيان تكون الخيارات صعبة. يحدث هذا حينما تكون كل الاجبات صحيحة. نعم كلها صحيحة ولا واحدة خاطئة. هنا من يضع الاختبار يريد  أن يفرق بين الأذكياء والأغبياء. الذين يفهمون الدرس والذين يحفظون. الأذكياء سوف يقرأون السؤال جيدا مرة واثنين وثلاثة. ثم يجيبون بعد أن تتكشف لهم الخديعة الكبرى. وهي ببساطة أن السؤال في واد و الاجابة الصحيحة تكون مختبئة في سؤال آخر.  الأغبياء سوف تنطلي عليهم الخدعة ويظنون أنهم قد فهموا الدرس جيدا وفي حقيقة الأمر هم حافظون. ببغاوات ليس إلا. حين كبرنا حفظ صديقي ميدو الدرس جيدا; فنجح في الاختبار بعكسي أنا التي فهمت. في تلك اللحظة شعرت  أنني أحضن طفلة صامتة. لا تبتسم بوجهي ولا تناغي ولا تتحرك. طفلة ميتة; جثة هامدة بلا حراك و جسد بارد لا يصدر أنفاس حارة. حين كبرت وأصبحت فتاة في سن الزواج و يمكنها أن تلوي أعناق الرجال كما قالت أمي. أردت الخروج. وضعت زينتي. كحل وظلال وعدسات لاصقة بلون أخضر وبودرة وأحمر شفاه. وقفت أمام المرآة وتطلعت إلى صورة وجهي;  استطعت التعرف عليها منذ الوهلة الاولى; لقد كانت هي.


الراكوبة

div class="clear">