الرئيسية > اخبار السودان الان > مؤتمر البجا ومرور الستين – صحيفة الراكوبة

مؤتمر البجا ومرور الستين – صحيفة الراكوبة

إبراهيم طه بليه1958م  – 2018 م
SHINE A LIGHT ON YOUR HEROES
القائد الفذ : محمد كرار كجر محمد على
1910 م  – 1996 م
السيرة الذانية : –
1 ) الاسم الكريم / ممدع كرار كجر محمد علي
2 ) الميلاد – 1910 م –  بمدينة سواكن عبق التاريخ وفن المعمارومنارة العلم والاقتصاد والتجارة.
3) رب أسرة كريمة من الأبناء والإناث
4) من أنسب البجا لبجا ومن زعاماتها
5) حياته المهنية / معلم بالقلم والكتاب  –  كبير مفتشي التعليم  بوزارة المعارف السودانية
6) أول نائب بجاوي منتخب عن دائرة ريفي الأمرأر والبشاريين في العام 1955 م ( برلمان تقرير مصير السودان ) –  علي أساس أحد الإختيارين :-
1/ إرتباط السودان بمصر علي أي صورة أو الإستقلال التام – أي الإنفصال عن مصر
2/ أيد إقتراح إستقلال السودان التام ، ووهو الإقتراح الذي وضع حدا فاصلا بين عهد الإستعمار وعهد الحرية الكاملة والسيادة التامة ، كانت خطوة جريئة وواعية أثبتت أنه يفكر ويتصرف بروح العصر ، وهي الخطوة التي انهت العلاقة مع حزبه المؤيد لوحدة مصر والسودان ، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخه السياسي نحو إستقلالية الرأي وإتخاذ القرار ، فيكتب إسمه بأحرف النور في قائمة الشرف .
4 / حياته السياسية:-
أ /عضوا في حزب الشعب الديمقراطي في بداية حياته السياسية
ب / انتخب في العام 1955 م نائبا عن دائرة ريفي الأمرأر والبشاريين ( برلمان تقرير مصير السودان ) .
ج / قياديا بالمكتب السياسي لمؤتمر البجا ورئيس لجنة التعليم والإتصال والتوعية الشعبية .
د / مواقفه  – تنطق بالحق – وتقرر الحق ، وتبين طريق الحق – حتي تتضح المعالم وتتبين الحقوق الأساسية ، وقف بكل شجاعة – يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة وصلابة – لم يكن يدافع عن نفسه – فالإيمان أعلا من النفس – ولم يكن يحرص علي مناصب ومواقع دنيوية – فالمناصب زائلة والإيمان لايفني – والمبادئ ثابتة – مبادئ خلت من كل نزعة شخصية أو قبلية لأنها تهدف العدالة والنهوض بالمجمتع – لاتقبل المساومة ولا ترضي بأنصاف الحلول .
5/  إستهدف من جنرالات إنقلاب 17 / نوفمبر/1958 م ، بوضعه تحت الرقابة وتم إبعاده  من منطقة بورتسودان إلي منطقة طوكر ، بإيعاذ من جهة سياسية بعينها .
6/  لبي نداء ربه في 5 / أغسطس / 1996 م – ببورتسودان
قال هيروتس (علي الزمن ألا يمحو الماضي من تاريخ الإنسانية ، وعلينا ألا ننكر علي الأعمال العظيمة الرائعة حقها في التقدير والإحترام والتأريخ والشهرة   ) .
هناك حقيقة أولية عن تضحيات الإنسان ، حقيقة أولية بسيطة ، ولكنها مع بساطتها ، كثيرا ماتنسي ، أو لا تدرك ابتداء . فينشأ عن نسياتها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلي هذه التضحيات ، حقيقتها وواقعها التاريخي –  حاضرها وكذلك مستقبلها.
وتبقي الحقيقة تعمل في واقع حياتنا ويفسر التاريخ علي ضوئها ، فيفقه خط سيرها التاريخي الواضح …  فهناك الإردة البشرية التي ترقض قيود العبودية الطارئة ،  وتعمل في حياة الناس بطريقة خارقة غامضة الأسباب من أجل الخير ، لاتستعجل الخطي ، ولاتتخطي المراحل ، فالمدي أمامها ممتد فسيح ، كل ما هو مطلوب هو بذل الجهد والمضي في الطريق حتي تتحقق أهدافها ، وأخري ‘تؤثر قيود العبودية المطلقة ، تقعد بهم شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم ، وفي الطريق المعتسف الذي تسلكه يلحق بها الذل والعار ، تتحطم تحت مطارق الزمن ، كأنها أقزاما صغيرة أو كائنات لم تستكمل وجودها بعد أو كائنات غير متناسقة يلعنها التاريخ ، علي كل حال فالحكم علي الناس لا يكون بظاهر أشكالهم وألوانهم وألسنتهم –  بل بحقيقة أفعالهم الدالة علي ما أخفته صدورهم من النوايا  عندما تتنزل واقعا ، فالزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض ،  وعلينا تأريخ الأمور العظام بما يؤذن بعظمها ونبذ الأمور الباطلة بما يؤذن بباطلها .
إذا كانت الدولة بالتعبير الدولي والعرفي ، هي مجموعة من الناس إختلفت أشكالها وألوانها وألسنتها ومعتقداتها وتقاليدها أو ما يسمي بتعدد الثقافات ، تجمعهم خارطة جغرافية معروفة ، لو قام هذا كله علي الأساس الصيحيح ، من القانون المجمع عليه من حقوق أساسية وواجبات ،  وإلا فلا دولة  قائمة علي قاعدة التفرقة وحكم الإكراه ، لأنه ليست هناك ما يجمع بينها . وهكذا المبادئ النظرية ، من الجنس ، واللون ، والبلد ، والقوم ، والعشيرة ، والبيت ، في الحقيقة  تمثل واقعا عمليا ، وانتشرت في أرجاء الأرض ، ثمثل في حياة الجماعة ، فعلمته للناس ، وأقرته في أوضاع حياتهم كذلك ، وعلمت جمهور الناس أنه كريم ، وأن له حقوقا وعليه واجبات ، وأن له أن يحاسب حكامه ، وأن عليه ألا يقبل الذل والضيم والمهانة ، وعلمت الحكام ألا تكون لهم حقوق زائدة علي حقوق الجماهير من الناس ، وأنه ليس لهم أن يهينوا كرامة أحد ممن ليس بحاكم ، فما الإنسان إذا لم تكن له حقوق الإنسان وكرامة الإنسان ؟ وإذا لم تكن تلك الحقوق متعلقة بوجوده وبحقيقته التي لا تختلف عنه في حال من الأحوال . فما هو التفسير المقنع لحقوق الإنسان المنزلة من الحق سبحانه وتعالي إن لم يكن كذلك ؟
عقب إنتخابات 1953 م – شكلت أول حكومة حزبية برئاسة السيد إسماعيل الأزهري ولم تستمر طويلا ، ثم حكومة قومية بين الوطني الإتحادي وحزب الأمة والأحرار الجنوبي ، فكانت حوادث أول مارس 1954 وتمرد توريت في أغسطس 1955 م ، وفي إنتخابات 1957 م ، في عهد الديمقراطية الأولي أيضا كان ائتلاف حزب الأمة والشعب الديمقراطي بعد لقاء السيدين وشكلت الحكومة برئاسة سكرتير حزب الأمة السيد عبدالله خليل الذي سلم السلطة لجنرالات نوفمبر 1958 م ، وقد تبين بما لا يضع مجالا للشك أن حقوق الإنسان الأساسية أصبحت عبثية إستنادا إلي المعايير المزدوجة العلامة بارزة لواجهة العمل السياسي ، لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون ، بدليل أن البجا كانت خارج الحسابات السياسية الجارية ، وهكذا تدفع ثمن خطأها التاريخي بإستبعاد خيار دولة البجا المستقلة .
وتلك مقدمة لا بد منها ، حيث إستندت إليها قيادة مؤتمر البجا ، بما استقر في تاريخها وفي حياتها من آثار ذلك المد الأول جراء سياسة السيطرة الأنانية والإستهداف العنصري ، كأنهم لايقرون للأعراق الناطقة بغير العربية بحق مساو في السلطة والثروة ، الأمر الذي واجه أقسي المعارضة خاصة في جنوب البلاد ، ثم انساح في طريقه ، وخلف من بعده أعمق الآثار في بقية أنحاء البلاد.
في إختصار وإجمال يناسبان صيقة التكوين الثقافي الكبير بالوطن الكبير الذي هو السودان … بعض التلميحات لتأسيس تنظيم مؤتمر البجا ، فعندما حدث هذا الحدث الكبير في حياتها لم ترتد إلي ما كنت عليه من تبعية وتخلف سياسي ، فقد كانت من ورائه خطوط عريضة ، ومبادئ ضخمة ، قد استقرت في حياتها ، وصارت مألوفة للناس ، وزالت عنها الغربة يوم أن جائتهم حين عرفوا  أنها لخيرهم ، تحررهم من قيود التبعية وتحقق لهم حقوقهم الإنسانية شاملة كاملة.
إستطاعت البجا في تلك الفترة الزمنية القصيرة وهي فترة ما سمي بالحكم الوطني ( 1953م -1958 م ) – أن تنجب قيادة بعيدة الرؤيا بصورة غير مسبوقة ولا ملحوقة ، صورة تبدو في ظلها جميع الشخصيات البشرية من إنسانها التي جاءت بعدهم ، أقزاما صغيرة أو كائنات لم تستكمل وجودها بعد  أو كائنات غير متناسقة علي كل حال .
المهم أن نعرف أن قيادة مؤتمر البجا التاريخية ناسا من البشر لم يخرجوا عن طبيعتهم ولا عن فطرتهم ولم يكلفوا أنفسهم كذلك فوق طاقتهم ، لقد زاولوا كل نشاط إنساني ، أصابوا من الطيبات كل ما كان متاحا لهم في بيئتهم وزمانهم ، لقد أخطاؤا وأصابوا ، عثروا ونهضوا وأصابهم الضعف البشري أحيانا ، كما تصيب سائر البشر –  وغالبوا هذا الضعف وإنتصروا عليه . لم تكن هذه الشخصيات الفذه التي أخرجها الزمن الإلهي في فترة قصيرة من الزمن أحادا تعد علي أصابع اليدين . إنما كانت حشدا كبيرا –  رغم الإستهداف العرقي الممنهج وقيود التبعية الطائفية –  إنبثقت سامقة يعجز عن تعليل إنبثاقها علي النطاق الواسع ،  وعلي هذا المستوي الفارع ، مالم ترد هذه الظاهرة الفريدة إلي فعل إلهي رحمة  بهذه الأمة ، حتي ينيروا لها طريق العزة والكرامة .
كان عليها التصدي والتنبه للمخاطر التي تواجه هذه الأمة ، إستنادا إلي قراءة المشهد السياسي بالبلاد قراءة واعية ومسئولة ، الذي عمل بمنهجية تتجاهل مطلوبات الوطن والمواطن من خلال وضع الخطط والإهتمام بالتخطيط الإستراتيجي ، ففي تلك الفترة القصيرة ، سادت الولاءات الحزبية والعرقية والمصالح الدنيوية ، منهجية لا تجمع شملا ولا توحد صفا ولا تشفي غليلا ولا  تروي عليلا ، وفي هذا أهم أسباب الفرقة ومن أهم أسباب الضعف والهوان ، مشهد يتقلب ويدور مع المصالح الشخصية والأغراض الدنيوية والتكتيكات التي تفرح لدمار البلاد وسوء حالها وضياع أهلها … الحقيقة التي تبينت لهم بجلاء أن الهدف من الحكم عند هؤلاء ليس كونه وسيلة لإسعاد الشعب والوقوف معه ونصرة قضاياه والإجتهاد في أداء حقوقها ، إنما الهدف هو المصالح الشخصية والحزبية –  بدلا من التنازل للمصلحة العامة ورمي المصالح الخاصة والشخصية وراء ظهورها ،  حتي كثرت المصائب وتواصل نزيفها المؤلم الموجع وإشتدت معاناة المواطن ، بعد أن إنحسرت موجة الرشد السياسي في دائرة جهنمية لا فكاك منها ، فالعرب العاربة والمستعربة … أمسكت بزمام القيادة وإستبدت بالأمر ، كما قال ابو سفيان لبني أميه بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان – رضي الله عنه – تلقفوها -أي السلطة – تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان لاجنة ولا نار- تلك هي رغبة السيطرة علي الحكم ، ثم يسهل إليهم كل ما يشاؤؤن – ألم لم يكن بني أمية سادة قريش قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية ؟ وهكذا عرب السودان تلقفوها – سلطة الحكم – تلقف الكرة ، بعد إعلان الاستقلال من داخل البرلمان( 19/ ديسمبر/ 1955 م ) رغم المجاهدات والنضالات الصادقات للحصول علي الإستقلال- ثورات عديدة حتي تحقق هذا اليوم الخالد في تاريخ البلاد ،  ولكنهم للأسف فتحوا الباب واسعا ينفردون بإدارة  شئون البلاد ، حكموا عقولهم الخربة وأهوائهم الباطلة ،  تجمعهم آصرة الجنس والعصبية أو مايسمي بنظرية النقاء العنصري (Racial Purity ) المقترنة بالغرور الأجوف ، وأخذوا بالإهمال التام للأصول الإفريقية بالبلاد ،  بدلا من إعتماد فريضة التعايش وإقرار مبدأ لاتستقيم الحياة إلا بأن تكون للإمة دستور يحكم حياتها ، دستور تصوغة من عقائدها وتقاليدها وإحتياجاتها وتساير به موكب التقدم الإنساني المتجدد يوما بعد يوم والذي لا يقف ولا يتقهقر ، لإثراء التنوع الثقافي الكبير بالبلاد وإذكاء لدوره ،  في حفز الحراك السياسي والإجتماعي والإقتصادي ، وللأسف لم تكن موجة عابرة أو أعراض طارئة ولكنها كانت أوضاعا عملية  ، فتفرق الناس ، وإختصموا ، بدلا من التعارف والتآلف ، وزادت غربة التعايش السياسي عمقا ، أما كان خيرا لنا جميعا أن تأتي الرياح السياسية مع بداية الإستقلال البلاد ونيل حريتها بما تشتهي أشرعة العدالة والحرية حتي تدفع بها إلي المرافئ الآمنة ، بدلا أن تأتي بما أرادت أشرعة التخبط السياسي فدفعت بها الي مرافئ الذئاب المفترسة ؟ وهي الأهبة لأشواك الطريق وعوائقه ، وقد ينقضي زمن طـويل قبل أن تظهر البوادر الكاملة لعودة القطيع من التيه البعيد .
وعلي هذا النحو علينا بذكر شئ من مدلولات واقعية من خلال الواقع التاريخي ، وبإختصار شديد إنطلقت أسهم الإستهداف المؤذية  تجاه قومية البجا ولمثلهم التنوع العرقي الماثل علي خارطة البلاد ، بعد إعلان إستقلال البلاد ورحيل المستعمر من داخل البرلمان في 19 / ديسمبر / 1955 م ، وكانت آمال وأحلام الشعب السوداني ، بأن تكون التنمية والإستقرار هم العنوان البارز للدولة السودانية وهي تخطو أولي خطوتها علي عتبات الحرية والكرامة ، ولكن تقلبات السياسة جعلت من السودان في متاحة الحل التوافقي السياسي الذي يوفي بحق نضالات آبائنا وتضحياتهم من أجل الوطن ، الحقيقة المؤلمة التي  ايقظت البجا من غفلتها لتضع نصب أعينها حقيقتين أولهما ما في الطبيعة البشرية من تشابه أساسي علي مر الدهور وثانيتها ما في أجواء الإنسانية من إختلاف وإفتقار … ولا ريب في أن هاتين الحقيقتين توضحان ما يبدو من الشخصيات المثلي من إيمان ذاتي مرموق ومايبدو من الشخصيات الإنتهازية من لا مبالاة يشير إليها عدم نفاذ المثل والقيم الفاضلة لديها بعيدا إلي الأعماق .
وللحقيقة والتاريخ  –  استطاعت البجا أن ‘تقر لأول مرة في تاريخها السياسي ، مبادئ عملية تحتكم لأوضاع واقعية  –  علي الرغم من جميع القوي التي تسندها أشتات المصالح العرقية وألوان المصالح الأخري وقفت تحاربها ، لأنها تنتزع القيادة من يد المتسلط وتردها إلي حرية الرأي ، مبادئ عملية لم تتملق عقائدهم وتصوراتهم لأنها مصالح أنانية ينتفعون بها وقائمة علي التفرقة القائمة علي إختلاف الدماء والأجناس وتفاضلها ، يعتقدون أن طبيعتهم شيئا علويا مقدسا وفوق الإنتقاد ، ويعتقدون أن لهم حقاعلي كل إنسان غيرهم وليس لإنسان حق عليهم ، فالترضي شعوب البلاد الأخري بما يرضخون من فضول المال العام وفتات نعمهم المحرمة –  فإنما هو صدقة وتكرم ، ومن غير إستحقاق وليس للناس مثلهم إلا السمع والطاعة – ومن حقهم لبس التاج  –  لا ينازعهم ذلك إلا ظالم – لا ينافسهم إلا دعي نذل – علينا أن ندين لهم بالمسلك ، فجعلوا من الحكم حقا شخصيا موروثا – يريدونها كسروية وقيصرية يرثها الإبن والحفيد وتبرم للوليد وهو رضيع – رغم تلك الظروف المزلزلة التي لا تتطلب شيئا كما تتطلب رأب الصدع وجمع الكلمة .
ومن طباع المتسلط أن ترفض الإعتراف إلا بما إستقر في تاريخها وحياتها من هيمنة وظلم – الأمر الذي واجه أقسي المعارضة … ففي لامركزية الحكم ، تصورات وقيم وموازين – لنظام حكم رشيد يحقق طموحات الأمة السودانية بأسرها في تطلعاتها وأمنها وإستقرارها ، خاصة أبناء هذه الأمه ومثيلها من الأمم الأخري لأنهم يعرفون طبيعتها البشرية ، يعرفون دروبها ومنحنياتها فيتدسسون إليها بلطف ، ويعرفون مداخلها ومخارجها فيسلكون إليها علي استقامة ، ويعرفون قواها ومقدراتها ويعرفون حاجاتها تماما ، ويعرفون طاقاتها الأصيلة البانية فيطلقونها للعمل والبناء . وقد تناولت هذه المبادئ والتصورات – هذه القيم والموازين ، كل قطاعات الحياة الإنسانية لغاية وجودها الإنساني – كما تناولت – تبعا لذك تصورها لحقيقة الإنسان – حقوقه وواجباته والقيم التي توزن بها حياته ونشاطه ومكانته التي تقوم عليها علاقاته بالجميع ، مهما تباينت وتعددت الثقافات، كما تناولت الحقوق والواجبات السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، والأنظمة والأوضاع والروابط التي تنظم هذه الحقوق والواجبات في شتي صور الحياة الإنسانية وجوانبها الكبيرة – وقد تم هذا كله في وسط سياسي معاد لها ، في وسط غير متعاف من التناقضات السطحية التي تفتقد الحكمة والتبصر – لأنها من شأنها أن تصادم هذه الإتجاهات ، التي ترتدي أثواب الجهل السياسي والتعصب العرقي- دون أن تقف أمامها مستسلمة بإعتبارها أمرا واقعا لا فكاك منه .
والمعرفة بهذه الحقيقة ذات أهمية قصوي فهي تعطي للشعوب المهمشة صورة من شأنها أن تزيد ثقة النفس بنفسها بمقدراتها الكامنة حتي تتفجر ينابيعها الثرة ويفيض فيضها المكنون ، وعلي هؤلاء الذين يدعون النقاء العنصري أن يتواضعوا قليلا لحقائق العلم وعلي الإنتوغرافيا فيدركوا أن النقاء العرقي أكذوبة مثله في ذلك مثل الغول والعنقاء – فإذا ما كانت دعاوي الأنساب قد لبثت أحقابا متطاولة رهينة المحكيات الموروثة غير قابلة للتحقيق ، فإن الحمض النووي قد حررها في هذا الزمان من ربقة الإدعاء الأجوف والمزاعم الخرقاء ، فنضا عنها ثوب القداسة الزائفة وأدخلها دائرة العلم القطعي الذي لايرد ، بل وكشف أول ما كشف عن وحدة الأصل البشري الذي سبقت إلي القول بها الأديان السماوية الثلاثة ، فإن قالت الأديان قديما كلنا لآدم وأدم من تراب ، فإن العلم يقول حديثا كلنا من رحم حواء التي خلقت من ضلع ابونا آدم عليه السلام ، و‘خلقنا من ذكر واحد وهو أبونا آدم ، وأنثي واحدة وهي أمنا حواء ، فإذا كان نسبنا واحد ، فلما يفخر بعضنا علي بعض في النسب ؟ ، وصيرنا الحق سبحانه وتعالي بعد ذلك شعوبا كثيرة وقبائل منتشرة ، ليعرف بعضنا بعضا ، لا ليفخر عليه، لأن التمايز لا يكون إلا بالتقوي ، وإن أكرمنا عند الله أتقانا ،  وفي النهاية كل ما خلق من تراب يعود إليها يحمل أوزاره ، هكذا فإذا خوطب الإنسان المسالم بغير هذا المنهج أي بقانون السيف وحده  ، أو قانون الغاب والناب – فمن كان يملك القوة فكل شئ له حلال . والمغلوب علي أمره لا حقوق له علي الإطلاق ، وديننا الذي جاء رحمة للعالمين ينهي عن هذا النهج ، فكيف تستقيم حياتنا الدنيا التي رسمت خطوطها بعناية إلاهية لا إعوجاع لها إن‘دحر الحق وانتصر الباطل ؟
تمر السنوات علي فقد رحيل رموزنا التاريخية وهم اليوم أرواحا تحلق في السماء ، بعد رحلة ممتدة من البذل والعطاء والتضحية – حتي أصبحت ذكري رحيلهم منصات للتوقف عند مسيرتهم النضالية ومحطاتهم الإنسانية – هذه الظاهرة التي ملأت دنيانا وشغلت الناس بتضحياتها وتواضعها –  لتظل حياتهم حية تنير لنا طريق العزة والكرامة ، كانوا أقوياء زمانهم ، زاهدين في حياتهم ، أفنوا حياتهم من أجل قضية تحترم الإنسان وتقدر إنسانيته ، فالإنسان الحقيقي هو المهتم والملتزم بقضايا الآخر – وبرحيلهم من دار الفناء إلي دار البقاء – تركوا فراغا كبير لم يستطع أن يملأه الأجيال من بعدهم  …  وأقصد تلك الإنجازات السياسية الضخمة التي انجزت في وقت مبكر من القرن الماضي ،  جهدها الكبير المبذول ومواقفها الصلدة ومواجهة التحديات والإنتصار عليها ومن ثم بناء صرحها السياسي العظيم بقيم الحرية والعدالة . وحين لانري أنه لا يعمل بالطريقة الفاعلة ، رغم الإيمان به ، في تقديري أنها فترات الإمتحان والصمود ، تتكشف فيها خفايا الناس ، فترات تقعد ببعض الناس شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم ، والوسيلة العملية هي تنقية المجتمع من مدمني الباطل ، فالظروف الإجتماعية القاسية التي تضرب بالأمة من كل الإتجاهات بأسباب الهلاك ،  لا تحتمل الإستجداء المهين للغرور الأجوف والعصبية العمياء والإرادة الذاتية المغيبة ، والأستسلام  لخصوصية العدالة والهيمنة السياسية والاقتصادية ، وهي الأيدلوجية المرفوضة لدي الأمم الحرة  حتي يلج الجمل في سم الخياط .
كان علي القيادة التاريخية للبجا ، إختيار التحرك في الإتجاه الصحيح ،  حتي تنتصر لنفسها و تحقق إنجازا سياسيا يميزها ويقضي حاجاتها الأنسانية ،  فالسياسات الخاطئة التي أطلقتها فترة الحكم في الأعوام  1953 م – 1958 م ، والرواسب التي خلفتها في حياتنا ، وفي واقع البلاد ، بضبط مؤشر المعايير المزدوجة عند الدرجة القسوي ، مرحلة شديدة التعقيد ، والبلاد وضعت أقدامها تصعد عتبات الاستقلال الأولي وتطلعات الأمة السودانية تطمح لبناء دولة الحرية والعدالة ، مشهد أصاب الناس بالإحباط ، مع فرض نظرية المجتمع الطبقي كسأس للتعايش ، وهي نظرية طمس البصر ومحو نوره ، يمشون متمايلا خيلاء لا يرون إلا أنفسهم ولايسمعون إلا وقع أقدامهم ، نظرية وضعت الأمن القومي قاب قوسين أو أدني من الإنفجار الخطير الذي لا يبقي ولايذر .
اصبنا بخيبة أمل لم نتوقعها ، فقد رأينا قيم التعايش تتساقط  عديمة الفائدة من اغصانها الخضراء ، فالذي أمسك بزمام الأمر تجاهل أن يجعل أفق حقوق الإنسان الأساسية غايته –  بإنبات تشريع متعافي خاليا من أضرار العصبية والقرابة المهلكة ، تشريع لايكتب بمداد النوايا الخبيثة ، تشريع ترويه إرادتنا الحرة ، يحترم التنوع الثقافي ، ويوفر الأمن والإستقرار لحاضر الأمة ومستقبلها.
وعلي هذا النحو … قرأت هذا التاريخ العظيم لنضال أمتنا ، بأفواه عظماء أمتنا ، تضحيات ثمنها غاليا ، إنتكاسة بعد نصر ، وخسارة بعد غنم ، حينما قصرت البجا في اتخاذ الوسائل المناسبة في بعض مواقفها وحينما غفلت عن هذه الحقيقة الأولية أو نسيتها ، وفهمت أن مقتضي كونها مسلمة أن تنتصر حتما ، والحقيقة أن حقيقة الإيمان بقضيتهم العادلة لايتم تمامها في القلب إلا بكراهة الظلم والعزم علي نقله منه الي الحق ، فإن لم يكن باليد واللسان ، فاليكن بالقلب وذلك أضعف الإيمان ، فالصبر علي النصر أشق من الصبر علي الهزيمة . ثم يثبت ولا يرتاب ، ويستقيم ولا يتلفت ويمضي في الطريق راشدا صاعدا ، وهي الحقيقة التي علينا أن ندركها جيدا ، لأن الحياة لا تستقيم إلا بأن تكون للأمم مبادئ تحكم حياتها ، ونضال البجا الذي رسم خارطة مستقبله ، واعلنها في اكتوبر من العام1958 م ، صاغتها من عقيدتها وتقاليدها وإحتياجاتها حتي تساير بها موكب التقدم الإنساني المتجدد يوما بعد يوم والذي لا يقف ولا يتقهقر ، وما أدراك ما القيم والمبادئ العظيمة ؟ وما قول أهل الإرتزاق السياسي الذي بلي الله بهم هذه الأمة العظيمة ؟ ألم تتضح الرؤيا عندما جاءت تلك القيم تخاطب العقل ؟
تاريخ عظيم غيض من فيض وجزء من كل ، فقد سطعت سمش العرفان – إنقشعت سحب الجهالة التي أخفت مبادئ تضمنت أعظم المزايا الديمقراطية عن الأبصار زمنا طويلا ، عرفت بعضا منه في إجتماع جامع لعدد كبير من القيادات التاريخية مع القيادي الفذ الأستاذ الضخم محمد كرار كجر محمد علي – المربي الفاضل بالقلم والكتاب ،  وأول نائب بجاوي منتخب في برلمان تقرير مصير البلاد بالإتحاد مع مصر أو الإستقلال التام كدولة ذات سيادة – والقيادي بالمكتب السياسي لمؤتمر البجا ورئيسا للجنة التعليم والإتصال والتوعية الشعبية –  بداره العامرة بالأصالة والكرم بحي المشيل في مدينة سواكن عبق التاريخ وفن المعمار والإقتصاد  – في حضور كبير من رفقاء الدرب ، أذكر منهم الأستاذ الكبير عبدالقادر أوكير والمربي الفاضل بالقلم والكتاب الأستاذ علي منيناي مؤلف كتابي ملامح وذكريات مجتمع البحر الأحمر وتاريخ التعليم في البحر الأحمر والموؤرخ الكبير محمد سليمان ضرار وبشير سمبابه عمر والناظر محمد طاهر باكاش (أليفاي) القيادي الفاعل والمؤثر بالحجة المقنعة والمنطق المتعقل والأستاذ سيد نايلاي والدكتور الأديب محمد عثمان الجرتلي وأبو التعليم محمد بدري أبوهديه والقيادي ورجل الأعمال كباشي عيسي الذي أشاد دور نور العلم علي نفقته الخاصة ومحمد نور إدريس مدير التلغراف الإنجليزي وعاولي عيسي حمد عاولي ، وغيرهم وعرفت منهم فيما بعد عبد القادر الكابلي من الأسر السواكنية الكريمة والمناضل الجسور محمد سعيد ناود ، رحم الله برحمته الواسعة من لبي نداء ربه ويسكنهم فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ، ومتع الله بالصحة والعافية وأطال الله عمر المبشرين بالرحيل من دار الفانية الي الدار الباقية .
تحدث إلينا – القيادي الفذ محمد كرار كجر كأنه يقول قد لا ألقاكم بعد يومي هذا وعامي هذا – قائلا – يوم تكون معاملة الناس مبنية علي الأنانية والنفعية ، فإن مصير المجتمع ينذر بالخطر والفوضي ، والهوان والشقاء والتعاسة ، والجهل بهذه الحقيقة يسبب الفوضي ، فالبجاوي في المال معدوم – وهو في الجسم ناحل ضامر وهو في السلطة مغمور – ولكن مبادئ تنظيمه تمنحه مكان الفقر نصيبا موفورا وخطوطا وافيه من السلطة والثروة – وتمنحه مكان ضمور جسمه وضعف بنيانه إرادة تقهر الاعتداء علي حقوقها المشروعة – وتسهم في تغيير مصير التاريخ ، لذا كان لزاما علينا أن نزرع المعرفة في أمتنا – أنهم أصحاب حقوق أساسية في السلطة والثروة سواء –  رغم سياسة الإنكار بهذا الحق الأصيل ، فلا وصاية لأحد علي إرادتنا الحرة ، فالإيمان بأنفسنا لا يمر تحت جسر الآخرين ، فأقمنا المعالم الواضحة لرؤيتنا الحضارية نحو المستقبل ، والله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ، ولكنها كأي ثورة كانت تحتاج إلي الزعيم أو الزعماء القادرين علي قيادة هذه الثورة في لحظاتها الحاسمة ، فإننا نستطيع أن نؤكد أن الدكتور طه عثمان محمد بليه الطبيب الجراح خريج أرفع الجامعات البريطانية ، قد قام بالدور الأخطر والأعظم بشهادة التاريخ ، لقد إستطاع دكتور طه بليه أن يرد كل الثقة والكرامة للبجا التي ‘اريد قهرها بالإستبداد العرقي وسلب إرادتها بالتبعية الطائفية ، وزرع دكتور طه بليه في البجا ذلك الإحساس بالعزة والكرامة والكبرياء والفخر ، والإنتماء إلي تاريخ وحضارات ذات ماض عريق والإهتداء بها لبناء مستقبل واعد . وهو شئ كانت البجا في مسيس الحاجة إليه وهي ما زالت في مرحلة تتحسس فيها جذورها لتستقي منها ما تدفع به تحركها التحرري في مواجهة قوي الإستهداف الشرشة ، وهكذا بدأت ثورة البجا بأيدي بجاوية خالصة –  تنتمي لحزب ( لا‘بد أن ‘يحق الحق و‘يبطل الباطل )  ، مبدأ يناسب السودان من حيث الواقع ، قاعدة لاتنثني بغير أن نشحذ النفوس بأن هذا الليل لابد أن ينجلي  ،  فنحن أمة عظيمة تمتد جذورها القوية في عمق التاريخ – ينتقد بذهنية أنطباعية تتعلق بواقع الممارسات في بلادنا للعوام القليلة من  1955 م – 1958 م  ، فلا يمكن قراءتها خارج نظرية أن يبقي هذا البلد أسيرا للحروب والصراعات والفقر وسيادة الفساد السياسي والأداري والشلل التام لعجلة التنمية ،  فهؤلاء الذين أمسكوا بزمام الأمر ، أكثر الناس جهلا بمردودات الفكر الديمقراطي علي الواقع الحقيقي لبلاد مثل السودان أهم سماتها وأكبر مشكلاتها ، التباين العرقي والثقافي والديني ثم التعدد السياسي ،  فكان علينا أن ‘نقرر منهجنا في وجه ذلك الواقع المفروض علي البلاد الذي تسنده أشتات المصالح الخاصة وألوان من القوي العرقية والطائفية – كان علينا أن ننكر هذا الأساس الظالم في نظام الحكم و‘نقر بدله أساسا راسخا من الثوابت يمثل الأوضاع والتقاليد – وواقع الإقتصاد وحقوق الإنسان الأسياسية – وكان علينا القيام بتدابير عملية ونافذة ينبغي أن تتوسد كحقائق وأن تتوطن كبرامج وأن تتنزل كواقع من أجل إستدامة معافاة ، بقدر ما أوتينا من إرادة مخلصة تمتلك الوعي والقناعة ، فالمخاطر المحيطة بنا حقيقية ، ولا مبالاة تعني التهلكة والموت البطئ ، نتمسك بالوحدة الوطنية وإطلاقها سودانية سمحاء ، فوجهنا سوداني وجذورنا إفريقية أصيلة ، ومن يجترح إنكار ذلك مدان بالجرم المشهود ولو صدر منه ما صدر من باب السهو والخطأ ،  فمقتضيات الجغرافية وإرتباطات العلائق الثقافية والمصالح المشتركة ، لا تسمح لنا بأن نضع وحدة الوطن وراء ظهورنا ،  فلا سبيل لإستبدال وطن دفعنا الثمن غاليا دفاعا عن ديننا ووحدة ترابه ببديل آخر ، ألم يؤرخ التاريخ بقلم الأعداء أنفسهم ، أن الجيوش البريطانية هزمت الأمم في مشارق الأرض ومغاربها واستعمرت أوطانها ونهبت ثرواتها وأذلت إنسانها – إلا وطن هذا الأشعس الأغبر النحيل الأسمر- أذاقنا الويل وهزم جيوشنا الجرارة وأباد أسلحتنا القوية ( المربع الإنجليزي ) وكان خطأنا الكبير أننا لم نك ندرك طبيعتة المقاتلة الشرسة التي لم تكن تهدأ أبدا ؟ فله التحية والتقدير والإحترام .
جاءت مبادئ مؤتمر البجا ، تنكر هذا الأساس الظالم و‘تقر مبدأ الامركزية في الحكم – إستنادا إلي دستور يرفض التوريث السياسي ، دستورا تقره الأمه السوادنية ، يحفظ لكل ذي حق حقه ، حتي تؤمن وتتمسك به وتدافع عنه – فاتنقصت البجا بذلك من تحت الركام والانقاض الثقيلة ، وإنتصرت بذلك علي الواقع الذي أنشأته قوي البغي والجهل السياسي ـ  ففي حكم  الناس أنفسهم ، يمثل الأوضاع والتقاليد وواقع الإقتصاد والتعامل ، وهي أقوي ألوان الحكم الذي لايراه من لا يدركون نعمة التعايش تحت ظلال قيم  الحرية والعدالة والمساواة .
فإلي أين ماضون نحن في السودان ونحن نرفع راية الإسلام –  ومذاهب حكم الملل البلاد ، لم تدع جانبا في حياتنا إلا وتركت فيه تأثيرا كبيرا من الأخطاء الفادحة والظلم المهلك ، رغم أنها أبحرت في كل الإتجاهات دون أن ترسوا عند مرافئ مطمئنة ، ولكنه واقع لاشك فيه فرض علينا رضينا أم أبينا  ، طالما ظل هؤلاء ومناصريهم ممسكين بدفة القيادة ويفعلون مايشأون ويأمرون بما يشأون.
إن حركة إصلاح الحكم – حركة إنسانية – إستمدت من واقعها المعاش من ديننا الحنيف –  فأوروبا حطمت النظام الإقطاعي وإنطلقت من قيود حكم الملوك والأشراف والكنائس ، وحركة المساواة وإعلان حقوق الإنسان التي تجلت في المانجا كارتا في إنجلترا والثورة الفرنسية وحركة المذهب التجريبي التي قام عليها مجد أوربا العلمي ، وإنبعثت منها الفتوحات العلمية الهائلة في العصر الحديث – وأمثالها من الحركة الكبري التي يحسبها الناس اصولا في التطور التاريخي ….. وهكذا إن الإسلام – هذه الظاهرة الكونية ، التي تجلت علي هذا الكوكب قبل قرن ونصف من الزمان تقريبا ، وتمت في حياة في هذه البشرية ، وهي ظاهرة هذا الدين ، لم تدع جانبا واحدا من حياة البشرية منذ أن أوحي به الحق سبحانه وتعالي إلي خاتم الأنبياء والرسل ( محمد ) صلي الله عليه وسلم ، كل حركة من حركات التاريخ الكبري قد إستمدت مباشرة أو غير مباشرة من ذلك الحدث الكبير – أو بتعبير أصح من هذه الظاهرة الكونية الضخمة .
إن المشاركة الجماعية في الحكم وإدارة الدولة ، حق وليس منة من أحد ، فإن إحترمنا هذا المبدأ ، فإننا نكون قد إقتربنا لما نصبوا إليه من إعلاء المشاركة العادلة المفضية في النهاية إلي تحقيق الطمأنينة والإستقرار والتنمية المتوازنة للجميع دون تمييز ، أي إنها اللحظات المصيرية التي توجب إعطاء الممارسة الإنسانية في حرية الرأي وإحترام الرأي الآخر الذي أقرته معظم دول العالم ميثاقا تلتزم به وتحترمه ، وهذا غيض من فيض وجزء من كل . ورسالة أبدية لكل بجاوي ، إنهم عظمائنا إنهم قيادتنا التاريخية التي أدت الأمانة وبلغت الرسالة كاملة بلا زيادة أو نقصان ، فلهم كل التقدير وكل الإحترام .
وفي الختام – أما يكفي ما عاناه إنسان البجا من أزمات ومصاعب جمة علي كافة الأصعدة ؟ حتي تصاعدت عما كانت عليه – يوم أن خرجت البجا تعبر عن قضاياها المصيرية في تظاهرة حضارية حتي تواجه مخطط الإرهاب الكبير وأحكامه المتطرفة  – بالإبادة الجماعية ، جريمة حرب بالسلاح المميت  MASSACRE OF PORT SUDAN   صباح يوم 29 /يناير/ 2005 م عندما زحفت قوات الإرهاب إلي أكبر أحياء البجا بمدينة بورتسودان ، بل أكبر أحياء البجا بالأقليم الشرقي – لم أري أضخم منهم شكلا ولا أكثر عددا وعتادا ولا أقطع منظرا ، فارتعب النساء والأطفال في بيوتهم الآمنة ، تقذفهم بالموت الزؤام ، لنري بأم أعيينا ألسنة التطرف العرقي والفكر الظلامي الملتهبة ترتفع عنان السماء تحجب رؤية العدالة وتودي بحياة الأبرياء من أبنائنا وأخوتنا وشيوخنا دون شفقة أو رحمة ، تعيق وتجرح المئات إلا من رحم الله ونجا .
29/ يناير/ 2005 م ، فترة فارعة في تاريخنا ، كالقمة السامقة تتطاول الأعناق ، وتتطلع إليها الأنظار وهي مكانها السامي هناك فلا تراجع عن الحق الشرعي قصاصا من الجناة ، وفي القصاص حياة لكم يا أولي الألباب . وهكذا إتفاقية سلام الشرق مؤامرة جبهة الإسلاموا فوبيا والجبهة الشعبية لم تزد الأمر إلا سوءا عما كان عليه .
النصيحة فعل خير يؤجر عليه صاحبه وأنا أتقبله يصدر رحب ، فلهؤلاء كل التقدير والإحترام ،  لايهمي شئ كما يهمني معرفة الناس أنني علي حق وإن قتل شهدائنا علي باطل – حتي إن ‘قتلت بسيف الإرهاب وتحت ألبستهم أسلحة الإجرام – وهو الإنحراف الذي جري بالسلطة من الحق إلي الباطل – والأولي أشد وأمر من الثانية قطعا ، وسأطالب بالحق الشرعي في أشد الظروف وأعتاها ما دمت حيا ، حتي يقضي الله ما شاء أمرا –  فقد غدروا بشهدائنا والمسلم لا يغدر ، وعسي أن تكرهوا شيئا فهو خير لكم ، لقد أورثوا هذه الأمة من بعدهم تلك السيرة النيرة من أجل قيم الحق والعدل والحرية ، فما الإنسان إذا لم تكن له حقوق الإنسان وكرامة الإنسان ؟
أما آن الأوان حتي تعيش هذه الأمة العظيمة بالأمن الإستقرار فقد وجدت علي أرضها لكي تعيش بعزة وكرامة ، بدلا من أن تنفرد مجموعة عرقية بعينها بالسلطة والجاه ،  فإن كان لا بد من الحرب ، فالتكن الحرب التي لا تهتك فيها ‘حرمة ولا ‘يقتل فيها صبي ، ولا شيخ ، ولا إمرأة ، ولا ‘يحرق فيها زرع ، ولا يتلف فيها ضرع ، ولا يمثل فيها بإنسان ، حرب تحارب الفساد والمفسدين وتوقد نار العدالة والحرية الدافئة حتي ينعم بها الجميع أمنا وإستقرارا ، حرب لا تصيب إلا الذين يجتهدون في أذي الوطن وتمزيق خارطتة التطبوغرافية والجغرافية .
ليس صحيحا أن مبادئ مؤتمر البجا لم تعش طويلا – كما يقول بعضهم في خبث وكيد ؛ وبعضهم في حماسة وغيرة ! فإن البناء الإجتماعي والسياسي ، الذي قام علي أساس هذه المبادئ العظيمة والذي لم يستغرق بناؤها سوي عامين من الزمان –  بل أقل من ذلك في الحقيقة – يقاوم جميع الآفات التي تسللت إليه ، وجميع العدوات التي ساورته ؛ وجميع الهجمات التي شنت عليه ، رغم ذلك ظلت تبعث نماذج من الرجال ، فيها من ذلك الجيل الأول الفارع ، الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة–  ومن الإستحالة أن تنسي تضحيات أبنائنا وأخوتنا وكهولنا وشيوخنا بالنفس الغالية علي كافة الجبهات ، سواء كانت سلمية حضارية أو حربية ، لأنها تؤثر في حياتنا تأثيرات قوية وتؤثر في خط سير تاريخنا علي الرغم من جميع المعوقات من حولها وفي طريقها ، لأنها تتعامل تعاملا مباشرا مع حاضرنا ومستقبلنا ، لأنها تناولت حقوقنا الأساسية في شتي صورها وجوانبها الكثيرة مما يفردها ويميزها .
علينا أن ندرك أن ما يجمعنا أكثر مليون مرة مما يفرقنا ، وأن كل ميزة نسبية لأحد مسمياتها ، تقابلها ميزة تكملها عند مسمياتها الأخري – فوق ذلك تمتلك الحكمة والإرادة التي تطفئ نار الفتنة في جلسة عرف تقليدية واحدة ، وبذات القدرات ، تستطيع أن تمضي قدما حتي يعود إليها إبنها المغيب – بفعل الأيديولوجيات العرقية والعنصرية العقيمة ، وأعباء صراعات وهمية بين مسمياتها ، ما هي في الحقيقة سوي قومية واحدة تفرقت تحت جنح ظلام الإستهداف وسياسة فرق تسد .
ولكي ندرك الحقيقة التاريخية … أقرؤا ماتيسر من مبادئ مؤتمر البجا التي قرعت أجراس الإنذار في وقت مبكر ، تحذر من مخاطر التخبط السياسي وضرورة أخذ الإحتياطات الضرورية حتي لا نحصد ما لا يحمد عقباه ، مسيرة حضارية تعطينا – أبدا – عزما راسخا لأقتحام المستقبل وإكتشاف المزيد من امكاناتنا الكبيرة أعتمادا علي أنفسنا ، وتنقية مجتمعنا من المعطلين والمعوقين والمرجفين ، ومن ضعاف النفوس والقلوب ، ومن المخادعين والمنافقين والمرائين ، وهي الحقيقة التي علينا أن نعيها، فنحن نتعرض للإمتحان تحت مطارق الزمن ومشقة التجربة ومرارة الآلآم – وهي للأسف من عند أنفسنا بسبب التقصير، ويبدو هذا التقدير صحيحا للوهلة الأولي علي الإيحاء بأن هذه المبادئ غير عملية ولا واقعية إنما هو دعوة مثالية إلي أفق غير مستطاع ، وكان لهم من وراء تثبيت هذا المعني – غرض ماكر – فتثبيت هذا القيم الفاضلة في في نفوس النتفس ، يحقق المصلحة العامة ، لأنها مبادئ واقعية المنطق – سلوكية المنطق ، سداها ولحمتهاالصدق في القول والإخلاص في العمل وهذا ما تحاربه قيم التمكين والإنتهازية بكل أسلحتها المؤذية .
الشكر كل الشكر والتقدير للأخ عثمان محمد كرار كجر ، زميل الدراسة الأولية بمدينة سواكن العظيمة ، بن القائد الفذ محمد كرار كجر ، فقد أطعمني بكثير بالزاد الذي لا ينضب معينه في الكتابة عن الخطوط العريضة التي خطها هؤلاء العظماء في حياتنا وتاريخها وواقعها ، وبصفة خاصة عن والده ، التي خلاصتها أن نأخذ الأهبة كاملة لأشواك الطريق وعوائقه ، فلن يضير الشاة بعد  ذبحها وسلخها شيئا .

وعاش كفاح مؤتمر البجا

[email protected]
                


الراكوبة

div class="clear">