Home > مدونة السودان للتقنية > حكمت المحكمة..العمدة غلطان..وعليه أجلدوا(العبد) عشرة جلدات – صحيفة الراكوبة

حكمت المحكمة..العمدة غلطان..وعليه أجلدوا(العبد) عشرة جلدات – صحيفة الراكوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

حكمت المحكمة ..العمدة غلطان ..وعليه أجلدوا (العبد) عشرة جلدات !!؟

واقعة حقيقية حدثت إبان العهد الاستعماري القاهر. فقد فرض أحد العمد على مواطني عموديته قراراً قاهراً غريباً. وهو أن يترجل الرجل من دابته عند محاذاة العمدة الذي يجلس أمام داره..ويلقي السلام ولا يعود إلى ظهر حماره إلا بعد تجاوز بيته!! وزاد على ذلك بأن (العبيد )عليهم أن يترجلوا ولكن لا يلقون السلام عليه!!بعد وفاته تولى ابنه العموديه . وكان مشغولاً على الدوام بقراءة الصحف. وأصبح الناس لا يترجلون ويلقون عليه السلام وهو لا يكترث. ذات يوم ، مر أمامه أحد المسترِقين ولم يترجل وألقى السلام فلم يكترث العمدة ولم يرد كذلك..ففاجأه محتجاً (لماذا لا ترد السلام ؟). فناداه العمدة ونادى رجاله فجلده بعصاة الخيزران خاصته ورجاله ممسكون به!! لم يرض الرجل . ولأنه في الأصل كان ذاهباً إلى المدينة ، شكا العمدة لدى المفتش الانجليزي الذي اضطر لتشكيل محكمة عمد برئاسة أكبر العمد لمحاكمته ، حيث لا وجود لقانون يبيح ذلك للعمدة. يوم المحكمة ،اجتمعت حلفا كلها لحضور الحدث الغريب. حاول رئيس المحكمة أن يقنع العمدة باختلاق سبب آخر لجلد الرجل حتى يجلد مرة أخرى جراء كذبه ! لكن العمدة أصر على موقفه. شعر المفتش الانجليزي بالمشكلة عندما طالت الجلسة..ووقف بالنافذة وخاطب رئيس المحكمة قائلاً ( أنا بعدين مش حنقدر نوصل العمدة ( المتهم) لعموديتو بالكومر بتاعي ..لكن الشاويش على حيوصلو بالحصان بتاعي !!) ففهم رئيس المحكمة الرسالة. فصاح بأعلى صوته (محكمة). ثم نطق بالحكم قائلاً ( كونو العمدة غلطان فهو غلطان. وعليه.. أجلدوا العبد عشرة جلدات!!!!؟) كان الرجل متحسباً لمثل هذا الحكم الجائر بلبس بالطو صوف ثقيل. والشاويش الذي نفذ العقوبة كان كمن ينفض الغبار من البالطو برفق !! بعد تنفيذ العقوبة ، وقف الرجل وقال عبارة ذات معنى ، لم يستوعبه الكثيرون واعتبروه عبداً غشيماً. فقد قال ( أنا العشرة جلدات ما هاماني..بس مبسوط عشان المحكمة طلعت العمدة غلطان!!).

لقد نظر للجانب المهم من المسألة رغم ظلمه. وهو وجود آلية وقانون بشري ولو لم يكن مكتوباً..يفصل بين الناس  ، مهما كان تقيد السلطات بهما ظاهرياً.

هذه الحكاية ، وهذا الاستخدام المتحيز للعقوبة ، رغم وجود حيثيات تخطئ الجانب الآخر ، ما زال موجوداً إلى يوم الناس هذا ..ولنضرب مثالين على ذلك. ففي العهد المايوي ، كان أبو القاسم محمد إبراهيم رجل مايو القوي ونائباً أول لرئيس الجمهورية. وفرض نفسه على برنامج تلفزيوني مباشر يستضيف زين العابدين محمد أحمد. فبدا مخموراً . وهذا ما لاحظه كل المشاهدين وأصبح حديث الشارع.. كان النميري خارج البلاد وعند عودته ووجه بالموقف ..وقام بالتحقيق. فأعلن النتيجة . ولم يكن يملك على الأقل ، ذلك النذر اليسير من قول الحق الذي خالج رئيس محكمة العمدة. فحمل صورة التلفزيون واهتزاها المسئولية. وذهب ابعد من ذلك بتوبيخ التلفزيون بكلمة حق أريد بها باطل. منتقداً السماح لأي شخص بالدخول على البرنامج المباشر!!!

وها نحن نشهد نفس الموقف في هذا العهد الظالم القاهر. فبرنامج حال البلد في سودانية 24 ، استضاف أحد أكبر مراكز القوة في النظام . فساير سجيته فقال في أحمد هارون ما لم ينتظره أحد. ولمس رأس السوط من حديثه جهات عدة..واتهمها بالطابور الخامس داخل الحكومة. وأكمل بنفي علاقة قواته بإذلال الشباب بحلق رؤوسهم وذهب أكثر من ذلك بنفي علاقة قواته بقتل شهداء سبتمبر!!  لينهض سؤالٌ مهم، من قتلهم إذن حسب سياق كلامه؟ الإشارة واضحة عند جوابه على تواجدهم في العاصمة بنفي وجودهم قبل الآن ولكن قواته ستتواجد ما دامت الأمور قد بلغت هذا الحد!!

نتيجة ذلك ، كانت شبيهة بمحكمة العمدة. فقد أدرك النظام أن حميدتي تجاوز خطوطاً حمراء . وعليه ..يستدعى مقدم البرنامج ويوقف بث البرنامج. أترون أن الظلم يعرف ظالماً ومظلوماً ، وقاهراً ومقهوراً أياً كانت صفته ؟ وأن النظام يخلو من الأخلاق ولا يمكن إصلاحه ؟


الراكوبة

div class="clear">