الرئيسية > اخبار السودان الان > فَن الحياة بـ(المقلوب) – صحيفة الراكوبة

فَن الحياة بـ(المقلوب) – صحيفة الراكوبة

عثمان ميرغني

 

سِعر اللاعب (ميسي) يصبح ألف دولار فقط لا غير.. لو اِمتدّ بَصَرَ الإنسان إلى مَا وراء حجب الغيب!
لو عَلِمَ الجمهور بالغيب.. فسيعرف نتيجة المُباراة قبل أن تَبدأ.. وبالطَبع جمهور الفريق المَهزوم سيُوفِّر ثمن تذكرة الدُّخُول.. ولأنّ المُباراة ستكون بجمهورٍ من اتجاهٍ واحدٍ فسيستخسر جمهور الفريق الفَائز تكبُّد مَشَاقَ الترحال إلى المَلعب.. فيذبل الإيراد المالي للمُباراة.. فتفتقر فرق كرة القدم.. ولن تبذل المال في أيِّ لاعبٍ – حتى ولو كان حَامَلَ الكرة الذهبية – فتنهار بُورصة اللاعبين.. كُلّ هذا يَحدث فقط إذا انشق الغَيب وبَانَ ما وراءه.

ولكن الله أبقى الغيب غَيباً.. لينعم النّاس بلذة انتظار المَجهُول.. مُتعة لوعة طَعم حياة الترقُّب.
وليس كل الغيب غَيباً..
فبعض الغيب مَعلومٌ بدرجة اليقين.. مثلاً..

مراحل تطور الإنسان من المهد إلى اللحد.. كل إنسان يدرك تماماً (خارطة الطريق) المحتوم.. طفلاً فصبياً ثُمّ شاباً وكهلاً وأخيراً شيخاً..

وعلى رأي شاعرنا الهادي آدم في رائعته (أغداً القاك) التي تَغَنّت بها أم كلثوم:
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا..

قُوة اليقين بنضارة المُستقبل جعلت الحاضر أحلى..
(قد يكون الغيب حلواً إنّما الحَاضر أحلى..)
أحلى بطعم الإحساس بالغيب القادم..

كَثيرون يقرأون قصة سيدنا سليمان مع عماله من الجن التي وردت في سورة سبأ ويظنون أنّها مجرد سرد قصصي درامي لأحداثٍ من الماضي البعيد.. بينما هي عبر يقصد منها القرآن تعليمنا السلوك الصحيح في الوقت الصحيح..

يقول الله تعالى:
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سورة سبأ الآية 14

حسرة الجن على الحاضر كانت نتاج إدراكهم أنّهم لو يَعلمون الغيب (ما لبثوا في العذاب المهين).. لأنّهم ظلوا يعملون لعامٍ كاملٍ وهم يظنون أن سيدنا سليمان لا يزال حياً يمارس صلاحياته.

بعبارة أخرى.. معرفة النتيجة مسبقاً (الغيب) تُغيِّر السلوك الحاضر.. فالذي يدرك حتماً النتيجة يُغيِّر سلوكه بما يتناسب مع النتيجة (المستقبل)..

يريد القرآن أن يُعلِّمنا الصبر على وعورة حاضر المبادئ طالما تقودنا إلى الغَايَات الأسمى.. فالحق في النهاية هو الذي يَسُود.. فإذا كانت النتيجة معلومة لنا سَلفاً فما الحسرة على الحَاضر المخضب بالدموع والألم والنكد. على المرء أن يتعلّم كيف يعيش بـ(المقلوب)؛ في مشوار الحياة..

أنظر للغايات النبيلة التي حتماً تأتي في آخر المطاف.. ومنها أنظر إلى مسارك في الاتجاه المعاكس لترسم (خارطة الطريق).. من النهاية إلى البداية حيث أنت الآن.. تصرف على هدى معرفتك بالنهاية (لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين).

مثلاً.. إذا تَعرّضتَ لظُلمٍ بَائنٍ.. اعلم أنّه مَهما طال ظلام الليل.. فلا بُدّ أن ينتهي بضُوء الفجر..

على قول الشاعر أبو القاسم الشابي:
لا بُدّ لليل أن ينجلي.. ولا بُدّ للقيد أن ينكسر
فَمَا الحسرة على حاضر هو مُجرّد مشقة الصعود إلى أعلى الجبل.
ومن يتهيّب صعود الجبال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

فن الحياة بـ(المقلوب) يُعلِّمنا أن مُتعة الحَاضر في أن نعيشه بيقين المُستقبل.
لا تأس على شيء في هذه الحياة.. طالما أنت مُدركٌ أنّ نُور الفجر لا مَحَالَة آتٍ.. آتٍ.. آتٍ.

 

التيار


الراكوبة

div class="clear">