الرئيسية > اخبار السودان الان > مزارعون يتهمون الوزارة.. تلف مساحات السمسم والدمار الشامل يقضي على الأحلام

مزارعون يتهمون الوزارة.. تلف مساحات السمسم والدمار الشامل يقضي على الأحلام

القضارف: ناهد سعيد
كان المزارع الشاب عزالدين يتحدث لنا وسط مشروعه الزراعي وهو يشير بيده إلى مساحات شاسعة من محصولي الذرة والسمسم، ويقول إن هذا الموسم يعتبر هو الأفضل خلال عشرة أعوام من حيث الأمطار الغزيرة جيدة التوزيع، ولكن فجأة اكتست ملامح وجهه مسحة حزن حاول إخفاءها إلا إنه لم يستعصِ علينا تبيانها فقد بدأ وكأنه قد فقد تواً عزيزاً عليه أو حلت به نائبة من نائبات الدهر ، استجمع سريعاً رباطة جأشه وهو يعبر عن حسرته من خروجه من موسم كثيف الإنتاج خالي الوفاض وعلى عاتقه ديون لايعرف كيف السبيل إلى سدادها وذلك هم يحمله بين جوانحه رغم إنه لم يحن أمد الإيفاء به.
من أرض الكارثة
حتى نتلمس الواقع عن قرب ونقف على حجم الخسائر التي تكبدها ٣١ مزارعاً شاءات الأقدار أن يفقدوا في لحظة جهد أشهر ورهق ليالٍ فالأرض التي توقعوا أن تنبت وعداً وسمسماً وتمنٍ فعلت ذلك وجادت عليهم بسخاء ومشاريعهم الزراعية تشرئب فيها السنابل عالية لتلامس عنان السماء وكأني بها تحدثهم عن إنتاج وفير في انتظارهم عند مختتم موسم جاء استثنائياً جعلهم يسرجون خيول أحلام الثراء، ولكن حدث الذي لم يضعه أكثرهم تشاؤماً في حساباته، ولمعرفة ماذا حدث من مستجدات كان علينا التحرك من مدينة القضارف منتصف نهار ارتفعت فيه درجات الحرارة والاتجاه جنوباً حيث المشاريع الزراعية، برفقة العم علي هارون الذي كان يقود العربة بمهارة يحسد عليها وهو يجتهد ويستميت لتفادي الحفر والمطبات التي حولت طريق القضارف القلابات إلى جحيم لايطاق، فالأسفلت الذي يغطيه ذهب مثل غيره من الأشياء التي بارحت محطة حياتنا وبات أثراً بعد عين فاسحاً المجال للحفر العميقة لتعيق حركة السيارات وتجبر سائقيها على إبطاء السرعة وتوخي الحذر، ورغم أعمال الصيانة التي تجري في هذا الطريق إلا أن واقعه المزري يؤكد ضرورة إعادة تشييده لأن ترقيعات الصينيين لن تصلح ما أفسده دهر الشركة المصرية التي نفذته قبل أربعة عشر عاماً.
أكثر من مشهد
ونحن نتوغل جنوباً إلى منطقة الكفاي التي تقع بمحلية القلابات الغربية وتعد من أكثر المناطق إنتاجاً بالقضارف، فضلنا إرسال بصرنا عبر نافذة العربة لتأمل المساحات الزراعية الشاسعة التي اكتست ببساط سندسي يسر اخضراره الناظرين ويبعث في النفس الطمأنينة بإن هذه البلاد ومهما ساءت سياسات حاكميها وضاقت حلقة الفقر فإنها تملك القدرة على الصمود والنهوض فالأرض ما تزال خصيبة والسماء ترسل الغيث مدراراً والمزارعون كلما باعدت بينهم عوارض فإن هوى طيب يتمكن منهم فيعودوا إليها ليفلحوها، رأيناهم وهم منهمكون في الإعداد لموسم حصاد السمسم رغم أن رياح تقلبات الأزمة الاقتصادية قد اجتاحتهم وكادت أزمة السيولة أن تذهب بإنتاجهم سدىً ولكن عناية السماء الرحيمة بهم أنقذتهم في اللفة الأخيرة حينما فتحت الخرطوم خزائنها ووفرت كلتة نقدية رغم ضآلة رقمها إلا إن أول الغيث عندهم قطرة مثلما علمتهم الزراعة، ننظر هناك فنرى أطفالاً ونساءً منكبين على مشروعهم يضع الرجال برفق اللمسات الأخيرة قبل الحصاد.. وهنا عمالة إثيوبية تعمل بجد لإنجاز ماعليها من عمل حتى تحصل على عائد مادي يحقق أحلامها حينما تعود إلى ديارها..العمال الإثيوبيون جلهم من الشباب منظرهم وهم يقطعون الأسفلت على أقدامهم وفي الحقول جعلنا نتساءل عن أسباب عزوف الشباب السوداني عن العمل في الزراعة فالعائد هنا مجزٍ يتجاوز في اليوم الخمسمائة جنيه لم نجد إجابة ولكن الذي نعرفه إننا تركناهم يحتسون المشروبات الساخنة بقهاوي القضارف ويتسامرون عن الهلال والمريخ أما في الخرطوم فإن الشباب اختاروا الجلوس على رصيف البطالة أو العمل في المهن الهامشية، بحثنا عن أسباب هذه المفارقة بين شباب مجد ومجتهد جاء من إثيوبيا وشباب سوداني يتأفف ويترفع عن العمل في المشاريع الزراعية رغم عائدها الجيد… ونسألكم أين تكمن العلة؟.
الحمرا والدوشكات
ونحن نتوغل جنوباً مررنا بالكثير من القرى منها كوم شتا التي شيدها أهلها في مرتفع جبلي فأخذت اسمها من طقسها المعتدل، وتلك قرية صابونابي التي اشتهرت بالمطاعم التي تقدم أشهى أنواع الأقاشي الذي يحج إليه بعض أهل القضارف للاستمتاع بمذاقه الذي لايوجد له مثيل .. وبعد ذلك وما أن رأينا قرية تحيط الأشجار بالمنازلها وتحتل باحاتها حتى عرفنا إننا في قرية الحمرا الجميلة التي تغطيها الخضرة من كل الاتجاهات، هنا نزغ الشيطان بين إثنين من مكونات الولاية فكان أن سقط عدد من القتلي والجرحى، نزاع لم يكن له مايبرره ولكنها الأقدار والتي حتمت على حكومة الولاية الدفع بقوات شرطية تحسباً لاسوأ الاحتمالات، الأوضاع بدأت لنا عادية وهكذا هي الحياة لاتعرف التوقف بيد أن الجرح لم يندمل بعد رغم إنه لم يعد مثل الأمس ولكن القضاء كفيل بإحقاق الحق وطي هذا الملف حتى تعود المياه لتجري بين الذين باعدت بينهم الظروف.
الكفاي والحسرة
أخيراً وصلنا إلى الكفاي وفي كنبو المزارع غالب هارون أخذنا قسطاً من الراحة ثم انطلقنا نتقصى حقيقة تلف خمسة عشر ألف فدان من محصول السمسم خسر أهلها أموالاً ضخمة حتى تعطيهم الإنتاج الذي ينشدوه ولكن قرائن الأحوال والمشاهد التي وقفنا عليها تؤكد إنهم لن يحصدوا سوى الهشيم بعد التلف الكامل الذي تعرض له المحصول الذي تحسرنا عليه ونحن نتجول في عدد من المشاريع فقد تمكن منه الذبول وأحال اخضراره إلى اصفرار وتساقطت أوراقه بعد أن أصابها مبيد الدمار الشامل في مقتل، قالوا لنا ونحن نتجول معهم وسط الغيط أن طائرة استأجرتها شركة خاصة هي التي صادرت أحلامهم وبددت أمنياتهم وذلك حينما خرجت عن الحيز الجغرافي لمساحة الشركة وحلقت فوق مشاريعهم ونثرت المبيد الذي يستعمل للقضاء على العيش الذي ينمو مع القطن الذي تزرعه الشركة إلا إنه ضل طريقه ونزل كالصاعقة على السمسم الذي يتمدد في مساحات شاسعة تقع بالقرب من مشروع الشركة ليقضي عليه تماماً ويتسبب في تلفه.
إجراءات ولكن
أكثر من مزارع تحدثوا لنا ومنهم العم عمر الذي كان شاهد عيان بحسرة وأسى عن الكارثة التي ألمت بمحصول السمسم وهنا يشير المهندس غالب هارون وهو أحد المتضررين في حديث للتيار إلى إنهم وعقب تعرض مساحاتهم الزراعية للرش الخاطئ من قبل الطائرة أصيبوا بخيبة أمل كبرى حينما عرفوا بأن وزارة الزراعة ليس لها علم بدخول الطائرة إلى سماء القضارف ولم تمنحها الإذن للعمل ويبدي هارون دهشته من هذا الأمر الذي يصفه بالغريب، ويلفت إلى إنهم شاهدوا بأعينهم الطائرة تحلق في مشاريعهم وهي تنثر المبيد وعقب ذلك بساعات معدودة تعرض السمسم إلى التلف في مساحة تبلغ خمسة عشر ألف فداناً وأضاف: بعد أن استوثقنا من أن رش مبيد الدمار الشامل من الطائرة هو السبب وراء تلف محصول السمسم حركنا إجراءات قانونية بشرطة دوكة التي طلبت تقريراً فنياً من وزراة الزراعة توطئة لإكمال الإجراءات وبالفعل خلصت لجنة من الزراعة الآلية التابعة للوزارة لوجود ضرر قد لحق بخمسة عشر ألف فداناً وكشف تقرير اللجنة إن السبب يعود إلى استعمال مبيد الدمار الشامل الذي نثرته الطائرة وبعد العودة إلى الشرطة التي أدت دورها كما ينبغي مضت الإجراءات بصورة جيدة حيث طلبت في خطاب آخر من وزارة الزراعة تحديد حجم الضرر ولكن للأسف ظل الخطاب حبيس أدراج الوزارة لأربعين يوماً ساورتنا خلالها الشكوك والظنون وبعد ضغط منا تم تكوين لجنة لتحديد حجم الضرر ولكن للأسف تقريرها جاء على عكس مانتوقع ليس لأنها لم تحدد حجم الضرر وحسب بل لأنها أرادت إعادة القضية لمربعها الأول رغم أن هدفها كان تحديد الخسائر وليس تقصي أسباب التلف.. ويؤكد المهندس غالب هارون أن والي الولاية المهندس ميرغني صالح قطع لهم حرصه على إقامة العدل بوضع ملف هذه القضية منضدة القضاء حتى يفصل فيها وأصدر توجيهات لوزير الزراعة بسرعة تحديد الضرر الذي وقع على المزارعين لإكمال الملف وإعادته إلى الشرطة والنيابة.
مفارقات
ماحدث بالكفاي يمكننا التأكيد على إنه لو حدث في دولة أخرى لتم الزج بالعشرات وراء القضبان بتهمة الإضرار بالمصلحة القومية ولتقدم حتى وزير الزراعة وغيره من مسؤولين بالاستقالة ولكن هذا لم يحدث وكأنما تلف محصول نقدي في مساحة خمسة عشر ألف فداناً أمر طبيعي ولايستحق التحقيق والمحاسبة ولأن القاعدة الذهبية تؤكد عدم ضياع حق وراءه مطالب فإن المزارعين المتضررين بالكفاي لن تتوقف مساعيهم لتعويض خسائرهم، على الرغم من ذلك قاموا بغرس ثمار محصول الذرة في ذات الأرض التي أتلفت يقيناً منهم بأن العناية الإلهية سوف تأخذ بيدهم هذه المرة، ووضعوا الخسائر جانباً ويمموا صوب التوكل، رغم علمهم بأن فاتورة كلفة إعادة زراعة الأرض باهظة ولن تغطيها تعويضاتهم والتي مازالت في رحم الغيب، إلتمسنا من خلال تواجدنا معهم بأن مطالبهم وإن طال الأمد وتعددت اللجان والتقارير ستظل قائمة رغم العقبات التي تعترض طريق أراضيهم من جديد.

التيار


الراكوبة

div class="clear">