Home > sudan4tech > سيد الدكان وآخرون – صحيفة الراكوبة
سيد الدكان وآخرون – صحيفة الراكوبة

سيد الدكان وآخرون – صحيفة الراكوبة

 محمد عبدالرحمن محمود

سيد الدكان ..

أمطار هذا العام كانت غزيرة والحمد لله .. وبحكم عنصر المفاجأة لم تستعد الخرطوم (كالعادة) لهذا الخير الوفير فأضحت الخرطوم مدينة معزولة بمعنى الكلمة .. كنت أخاطب جاري عبر الميدان الممتلئ بالماء، وبمرافقة سيموفنيات الضفادع، كنا نتجاذب أطراف الحديث بالصياح (هذه أول مرة أعرف حكاية تجاذب أطراف الحديث هذه)، وأحياناً بالضحكات التي كانت تكمل المشهد الغريب دون أن يكون هنالك سبباً واحداً للضحك. سألني عن رغبتي في بيع البيت، قلت له: ليس لدي رغبة .. ولأنه لم يسمعني لبُعد المسافة: أردف: عايز فيهو كم؟ رفعت صوتي بعدم الرغبة.. ولكنه واصل في سعيه: أنا عندي ليك زبون وقروشو جاهزة، بس إنت حدد السعر. قلت له ضاحكاً: من وين جاب القروش؟ قال بكل سخرية: المهم القروش موجودة (ربما قال في نفسه.. وإنت مالك) .. سيد الدكان كان شاهداً على الحدث ومتابعاً للحديث (بحكم أنه سيد الحلة وعارف أخبارها بالحتة)، فهو ما شاء الله شاب والسمع تمام. خاطب سيد الدكان صاحبنا بالنيابة عني وشرح له بالمختصر المفيد بأن الحاج ليس لديه رغبة في البيع. وبعد أن تأكد صاحبنا من الإجابة حاول طريقة أخرى: قال لي: أنا سمعت من الناس. لم أشأ المواصلة في الحديث، رفعت يدي مودعاً وقفلت راجعاً إلى بيتي بعد أن حرمني جاري العزيز من الاستمتاع بالجلوس على شاطئ البركة المائية المخضرة والتي تحفها النفايات من كل حدب وصوب.

سيد اللبن:

ليس من عادتي أن أخرج وأزاحم الناس أمام سيد اللبن .. ولكن لظرف طارئ بالمدام خرجت وفي يدي (بستلة اللبن) المعهودة بعد أن تأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك من صافرته المشهورة التي تنذر بتجهيز (بسلتة اللبن). حمدت الله أني كنت أول الخارجين من الجيران، خوفاً من مزاحمة نساء شارعنا. سألته بكل براءة الأطفال: تاني رجعت للحمار؟ نظر إلي شذراً وبكل مساخة (كمساخة لبنه): الظاهر ليك سنة ما اشتريت لبن؟ قلت ليهو: تقريباً .. وقلت لنفسي أن أكون مسيخاً – ولو للحظة – لأرى أثر المساخة على الآخرين المسيخين، فتماسخت بالكلمات التالية: الظاهر عشان البنزين بقى غالي رجعت للحمار… ضحك سيد اللبن ضحكة غير مكتملة الملامح، وحوَّل نظره للزبائن: إنت الظاهر عليك فايق ورايق.

سيد الجرايد:

واظبت في إجازتي السنوية على قراءة جريدتين (سعر كيلو موز) رغم ارتفاع السعر حتى أعرف أخبار البلد، وطبعاً حال البلد لا تحتاج إلى جريدة، فإذا جلست أمام الدكان أو أمام بيتك أو ركبت المواصلات .. ستعرف موجز الأخبار طازجة مع بعض التعليقات الساخرة والساحرة. ولكنها عادة صباحية كنت أمارسها دون وعي .. ورغم انتشار المياه المتراكمة هنا وهناك  .. لم أترك عادتي تلك، لكني في ذلك الصباح الجميل تأخرت قليلاً في مشواري لكشك الجرايد الذي كان يبدو كجزيرة وسط المياه التي تحيط به من كل صوب، وكنت مندهشاً عن كيفية وصول سيد الجرايد للكشك المحاط بالماء. عندما رآني سيد الجرايد أتنكب طريقي مشمراً عن جلبابي، رفع يده من بعيد وصاح: جرايدك الاتنين كملن .. قلت له من بعيد: طيب في رأيك نقرا شنو؟ كان صادقاً وقال لي: الأخبار مكررة في كل الجرايد .. ناس بالبنط الأحمر وناس بالأخدر وناس بالأسود. كُتاب الأعمدة بقوا زي لعيبة الكورة.. وفيهم واحدين أعوذ بالله من حقهم يكتبوا كلام الطير في الباقير، ويقولوا ده تحليل .. يحل صواميلكم. رأيت أن أختم الحديث معه: طيب خلينا من الجرايد أنا عايز رصيد .. قال لي الرقم كم؟ .. قلت ليهو: خليني أصلك بادئ ذي بدء. قال بإصرار: معليش، إنت قول الرقم، قلت له: ياخي ما عقول في العلن كده.. قال ضاحكاً: ديل ما جايبين خبر .. قول إنت بس الرقم. توكلت على الله ورفعت صوتي بالرقم حتى سمع الغاشي والماشي، والداني والقاصي، والجماعة القاعدين يعملوا (فتة بوش) في الدكان المجاور. الله يجازي محنك يا سيد الجرايد.


الراكوبة