الرئيسية > اخبار السودان الان > كيف ولماذا نحن في هذا النفق المظلم والمصير المجهول؟ – صحيفة الراكوبة

كيف ولماذا نحن في هذا النفق المظلم والمصير المجهول؟ – صحيفة الراكوبة

عبد الله محمد أحمد الصادق

الحلقة الثالثة

ابراهيم السنوسي:

دعا ابراهيم السنوسي عمر البشير الي توحيد الأمة الاسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، ودعا الشعب السوداني لدعم الاقتصاد التركي وتخصيص جلود الأضاحي لدعم الليرة التركية  وليس الجنيه السوداني  المنهار تأكيدا لولاء الكيزان للتنظيم الدولي للاخوان المسلمين وغياب المسئولية الوطنية والأخلاقية ، ويوجد مسلمون وغير مسلمين في كل المجتمعات البشرية في عصرنا هذا ولا وجود لدول اسلامية الا مجازا باطلاق اسم البعض علي الكل والاستيلاء علي السلطة باسم الأغلبية والعبودية السياسية لغير المسلمين كما حدث في السودان وانكار حق غير المسلمين  في السيادة الوطنية والتنصل من مواثيق حقوق الانسان التي وقع عليها السودان واعترف بها ضمنيا كدولة مستقلة يعترف بها المجتمع الدولي، ومواثيق حقوق الانسان كحلف الفضول في مكة في الجاهلية قبل الاسلام وقد جاءت الاشادة والاعتراف به في الحديث النبوى الشريف لأن مضمونها احترام وتكريم الانسان مطلق الانسان الذى كرمه الله وقد أصبح العالم قرية كمكة في الجاهلية قبل الاسلام، وهذه حقائق في الذهن وخارج الذهن كالشمس في وضح النهار لا تحتاج لبرهان وكيف يصح في الأذهان حكم اذا احتاج النهار الي دليل ولا ينكرهذا الا مكابر جهول ومتعصب مخبول، لكن حالة ابراهيم السنوسي ليست خرفا أو ما يعرف علميا بالزهايمر  كما بدا للاستاذة سلمي التجاني، ويقول السودانيون فلان طلق بدليل أنه فقد قدرته علي التفكير المنطقي السليم والتجاوب والتفاعل مع محيطه وواقعه الاجتماعي والاعتراف بالواقع والتكيف معه والواقع يفرض نفسه ولا يحتاج لاعتراف من الناس لأنه من صنع الناس ، ولا يوجد مقياس لحالة الانسان العقلية سوى التفكير المنطقي السليم، ويقول السودانيون الجن بداوى كعبة الاندراوة وهي حالة من الدروشة  الاندفاع والرعونة والطيش وعدم القدرة علي التفكير الا في اتجاه واحد أو التفكير في العواقب والتبعات فقد شسب وشاب تلاميذ الترابي  بعقولهم الصبيانية في معامل الكراهية الدينية، والصبية مولعون بالمغامرات والبطولات ويكذبون لتبرير ما لايمكن تبريره لكن أسلحتهم ترتد الي صدورهم لأن الناس يرون الحقيقة بأعينهم خرابا ودمارا ويحسون بها في أمعائهم جوعا وحرمانا، وعندما يتعرض عقل الانسان للغسيل لا يعود الي طبيعته، وقال علي بن أبي طالب ان العالم مصباح الله في الأرض من أراد الله به خيرا اقتبس منه ويقصد بذلك التجربة الذاتية المباشرة وهي أصل المعرفة، وسقطت تفاحة من الشجرة فاكتشف نيوتن نظرية الجاذبية، وفي نفس المعني قال محمود محمد طه ان الحياة كتاب الله المشهود، ويتفق الفلاسفة علي أن العقل ظل الله في الأرض فهل أرسل الله ملائكة أو جنا لبناء خزان الحامداب؟ ويقول أهلنا في كردفان ان الذى ينظر تحت أقدامه قد لا يتعثر لكن عود الراكوبة يفقع عينه وقد فقع عود الراكوبة أعين الترابي وتلاميذ الترابي فحق عليم قوله تعالي الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون، صم بكم عمي فهم لا يبصرون، ويقول السودانيون ان الحياة مدرسة لكن بعض الناس لا يتعلمون شيئا من التجربة الذاتية المباشرة اما لأنهم يعانون من عاهات عقلية واما لشنآن قوم واما لأنهم أسري الفكرة المسيطرة فعقولهم تعمل في اتجاه واحد تعطي ولا تأخذ، وقال علي بن أبي طالب ليس التعصب في التمسك بالرأى انما التعصب أن ترى أشرار قومك خيرا من خيار الآخرين، ووصفه الامام الغزالي بأنه حالة من الجنون وقال ابن حزم الأندلسي ان التعصب آفة من آفات العقل البشرى ووصفه فرانسيس بيكون بأنه مانع من موانع التفكير المنطقي السليم، وحق علي الكيزان قول أبو الطيب من البلية عزل من لا يرعوى عن غيّه وخطاب من لا يفهم، وقال أرنولد تويببني في موسوعته الكبرى بعنوان تاريخ الحضارات ليس المجتمع كائنا حيا خلاياه الأفراد لأنه نظام للعلاقات بين الأفراد، وهي علاقات من طبيعتها الصيرورة والانتقال من حال لكن الكيزان كما قال أمير الشعراء في مجاراة الهمزية النبوية داويت متئدا وداوو طفرة وأخف من بعض الدواء الداء، فلم تكن الثورة الثقافية الترابية في السودان تختلف عن الثورة الثقافية في الصين التي تراجع عنها ماوتس تونق قبل وفاته وكانت زوجته كبش فداء لضحايا الثورة الثقافية ولا يزال ضحايا الثورة الثقافية الترابية يتساقطون، وفي الديموقراطية الثالثة كان يحلوا لصبية الترابي مناقشتي في العائلة الممتدة وفي أى مكان واتضح لي أنهم يجهلون أيات الحرية والتسامح ولا يحفظون غير آيات السيف وهي آيات ظرفية فقد كان القرآن يتنزل والواقع متحرك ولا يقبل الثبات، افأقوال وأفعال الترابي وحيرانه ثلاثين عاما تؤكد بأنهم مجموعة من الصبية الأشرار، وحق علينا قول الأفوه الأودى لا يصلح الناس فوضي لا سرارة لهم ولا سراة اذا جهالهم سادوا تلقي الأمور بأهل الرأى ما صلحت فان تولوا فبالأشرار تنقاد.

الترابي وهتلر وموسيليني:

اذا صح طلقان ابراهيم السنوسي فان ذلك ينطبق عي الصادق المهدى لأنه يكثر من الحديث عن توحيد أهل القبلة، ومصطلح الأمة الاسلامية في قاموس السياسة الاخوانية المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ولا يقصد بها المسلمون في السودان، وتقوم الدولة القومية علي الأرض والتاريخ والمصير المشترك ولا تقوم علي الدين أو العرق، ويتفق الفقهاء الأولون علي امام واحد الا في حالة حواجز من بحر أو عدو لكن التعدد الديني حاجز أيضا بحكم آيات الحرية والتسامح والاعتراف بأهل الكتاب وخطبة النبي في حجة الوداع وقال علي بن أبي طالب الناس اخوانك في الدين أو الخلق، واذا صح اتهام ابرهيم السنوسي بالطلقان فان ذلك ينطبق علي شيخه حسن عبدالله الترابي عندما قال ان السودان ليس هدفا بمعني أنه أرض ومنطلق لأهداف خارجية ودعا لتجييش الشعب السوداني ليغزو به العالم انطلاقا من مشروع حسن البنا فلماذا السودان وهو أكثر هشاشة بحكم واقعه التعددى؟ ويذكرني الترابي بحصين بن ضمضم الذى رفض الصلح بين عبس وذبيان في معلقة زهير بن أبي سلمي فقد رفض الترابي اتفاقية الميرغني قرنق ودق طبول الحرب، ويذكرني تلاميذ الترابي بغلمان الشؤم الذين تلقح بهم الحرب كشافا وتتأم كما قال زهير في معلقته، وكان الترابي يذكرني بخليفة المهدى عندما حاول غزو مصر وأثيوبيا ووعد ملكة بريطانيا بالزواج منها ان هي أسلمت، واذا صح اتهام حسن عبدالله الترابي بالطلقان فان ذلك ينطبق علي شيخهم الأكبر حسن البنا، ومشروع حسن البنا كما يفسره حيرانه وأتباعه وأتباع التابعين كحسن عبداله الترابي دعوة سلفية والسلفية اعجاب بحضارة سادت ثم بادت، وطريقة سنية ووطن   ودين وجنسية ودولة ومصحف وسيف، ويعني ذلك الامبريالية والنازية الدينية واستعبادغيرالمسلمين والعبودية السياسية شكل من أشكال الاسترقاق، وعبر عن ذلك الطيب مصطفي عندما قال ان الاسلام هوية المسلم، لكن الدين حق عام والعرق حق خاص فليس للدين خصوصية العرق، ولو كان الدين هوية لا تقبل هوية تعلو عليها لما كان للأكراد مشكلة في تركيا وسوريا والعراق وايران، وتعارض هذه الدول قيام دولة كردية خوفا من الانتقاص من حدودها الجغرافية لكن الكيزان ضحوا بثلث السودان وثلثي موارده الطبيعية لتكريس هوية السودان العربية والاسلامية وهي لا تختلف عن يهودية الدلة في اسرائل فلماذا حلال علي الترابي حرام علي نتنياهو؟ ولا تختلف النازية الدينية عن النازية في ألمانيا والفاشية في ايطاليا في كونها حركة عنصرية، وكان مشروع حسن البنا غيرة من الأمبراطورية البريطانية التي لم تغيب عنها الشمس اجترارا لحضارة سادت ثم بادت وكذلك النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا فلم يكن للدولتين نصيبا يذكر من المستعمرات، وقال أفلاطون ان الأمبراطوريات كائنات غير طبيعية لأنها تستعبد الأمم والشعوب وانتهي عصر الأمبراطوريات وجاء عصر الشعوب فأين الأمبراطورية البريطانية، وتلتها في السقوط الأمبراطورية التركية التي كانت تعرف بالخلافة الاسلامية وكانت الأمبراطورية الروسية التي كانت تعرف بالاتحاد السوفيتي آخر الأمبراطوريات، وسئل ممثل تنظيم القاعدة في أفغانستان لما تستثنون ايران من هجماتكم الارهابية فأجاب بأن الأولوية للدول العربية والاسلامية العميلة أما غير المسلمين في المرحلة القادمة فليس لهم خيارا سوى الاسلام أو السيف، ودعا تنظيم القاعدة المسلمين الي الرحيل من أوربا وأميركا كساحة حرب، ودعت الجماعات السلفية المسلمين في المجتمعات الحرة الي عدم الاندماج في الحياة الاجتماعية وصدرت دعوة مماثلة من أوساط  النظام في السودان الي المسلمين في جنوب السودان، وكان اليهود يعيشون في مجموعات منعزلة في أوربا فتفشت الكراهية ضد اليهود الذين كانوا يحرمون الربا في التعامل فيما بينهم ويحلونه في التعامل مع الآخرين ومن ذلك رواية تاجر البندقية في القرن الخامس عشر، وفي الستينيات من القرن الماضي تناقلت الصحف خبر مشاجرة بين مواطنيين أميركيين في الفندق الكبير في الخرطوم ومن الشتائم المتبادلة أيها اليهودى القذر، وأصبح الاسلام في العالم الحر تنينا لاخافة الأطفال، وقال أرنولد تويبني ان اليهودية فضلة من حضارة سادت ثم بادت وأخشي أن يكون هذا هو مصير الاسلام.

الحكم الاتحادى:

للاستقلال مسئوليات وطنية وقومية تبدأ ولا تنتهي برفع العلم السوداني علي سراى الحاكم العام، ولم يكن اسماعيل الأزهرى الرجل المناسب في الوقت والمكان المناسب، فقد كان قزما في زمن العمالقة الذين قادوا شعوبهم الي بر الأمان، أمثال نيكروما في غانا وسيكوتورى في غينيا وجومو كنياتا في كينيا وجوليوس نايريرى قي تنزانيا وسوكارنو في أندونيسيا وعبد الناصر في مصر وكان آخرهم مانديلا في جنوب أفريقيا عندما قال علينا نحن السود أن نتفهم مخاوف البيض، وكان ولا يزال العرب في السودان أقلية تحتكر السلطة مثلما كان البيض في جنوب أفريقيا، وكان يتردد في أوساط الجنوبيين بأن الاستقلال سيكون بالنسبة لهم استبدال سيد بسيد واستعمارا باستعمار وأثبتت الأحداث ان مخاوفهم وهواجسهم في سنة 1953 وهي مخاوف مشروعة كان لها ما يبررها، وطالبت الأحزاب الجنوبية بالفدرالية وأجاب الأزهرى بأن حكومته حكومة انتقالية وستضرب بيد من حديد علي كل من يحاول تفتيت الأمة، فقد كان الأزهرى كالبصيرة أم حمد التي كسرت الجرة وذبحت العجل لأن الفدرالية لا تعني الانفصال، وانطلقت مظاهرات غوغاء الأزهر تهتف نو فدريشن فور ون نيشن فكان ذلك صبا للزيت علي النار، فقد كان الأزهرى يعلم بوجود ما يكفي من السخط والتذمر والاحتقان في الجنوب بسبب تراكمات من أخطاء وخطايا حكومة الأزهرى تجدونها بالتفصيل في كتابي بعنوان مشاهد في الطريق الي قاع الهاوية، وللأحداث منطقها وتداعياتها ومن الممكن تفاديها وليس من الممكن السيطرة والتحكم فيها، فقد كانت أحداث توريت 1955 رد فعل لأخطاء وخطايا حكومة الأزهرى، ولم يكن الحكم الاتحادى في عهد الكيزان لتقصير الظل الادارى كما يزعمون وانما كان لتقصير الظل السياسي وتسييس المجموعات القبلية واعفاء المديريات الجنوبية من أحكام الشريعة الاسلامية فقد كان وسيلة وليس غاية، والسير في خطين متوازيين لا يلتقيان علي حساب النمو الطبيعي والتطور التلقائي للقومية السودانية التي استطاعت أن تكسر حاجز اللغة في زمن وجيز بحساب التاريخ، وكان المجتمع السوداني حتي سنة 1983 مجتمعا ديموقراطيا بحكم واقعه التعددى وخلفياته الصوفية وبفضل الادارة البريطانية التي استطاعت أن تصنع من شتات متنافر من القبائل والمجموعات الاثنية مجتمعا حضاريا ودولة حديثة، فقد كان من أغانينا الوطنية في الدامر الخلوة وفي بربر السلوى وفي مروى طمبارا وفي شندى نقارة من حلفا لي بارا وكان  الجنيه يساوى ثلاثة دولارات ونصف الدولار والخير كثير والرزق وفير والخريف مطير لكن الظلم أصل الشر في هذا الوجود وليس المرأة كما يزعمون، وكان الكيزان يوهمون الناس بأن نظامهم الاتحادى صورة طبق الأصل من النظام الأميركي بمعني كل ولاية تستطيع أن تصدر ما تشاء من القوانين، لكن أميركا ليست دولة مسيحية دستورها الانجيل والحكومة المركزية في واشنطون ليست مؤسسة دينية، واستطاعت أميركا أن تصنع من أكبر مجتمع تعددى أغني وأقوى دولة في العالم، وكذلك الهند التي تعرف بأكبر ديموقراطية في العالم من حيث عدد وتنوع السكان أصبحت عضوا في نادى الدول الأكثر تقدما علميا، والسودان هند وأميركا أفريقيا لكنه كان ولا يزال يعرف برجل أفريقيا المريض.


الراكوبة

div class="clear">