فِي المَشْهَديَّةِ الشِّعْرِيَّةِ لَدَى وَدَّ المكِّي ..  – صحيفة الراكوبة

فِي المَشْهَديَّةِ الشِّعْرِيَّةِ لَدَى وَدَّ المكِّي ..  – صحيفة الراكوبة


ورقةٌ مستعادةٌ من رُزنامةٍ قديمة

(1)

في تعاطيه مع الظاهرات والأحداث والأشياء الصَّمَّاء البكماء، تماماً كما في مقاربته لأحوال البشر الذين من لحم ودم وعظم وأعصاب، لا يكتفي محمَّد المكِّي إبراهيم بالوقوف عند الأسطح الملساء، بل ينسرب إلى الأغوار، ليلتقط، بنباهته المعهودة، سلاسة التِّلقائيَّة، وجِدَّة الطرافة، وامتناع السُّهولة، ودهشة “المشهديَّة”، حيثما كانت كامنة وراء خشونة الجُّدُر، وانحدارات السُّقوف، وتعرُّجات المماشي الأماميَّة، والتواءات الشوارع الخلفيَّة! وربما فسَّر ذلك، على نحو ما، سرَّ “العذوبة” و”التَّفرُّد”، في جُلِّ ما يبدي من نظر، شعراً أو نثراً. وقد يصحُّ القول بأن مثل ذلك لا يتأتَّى إلا لروح يحلق في آفاق الخلق الفنِّي بزكاوة وهَّاجة، وذكاء وقَّاد، وأن تلك قسمة لا تُوهب إلا لمن أوتي مِن الفنِّ حظاً عظيماً! على أن ذلك ينبغي ألا يعني الذِّهاب، من الزَّاوية النقديَّة، إلى مطلق المطابقة، ضربة لازب، بين “المبدع” و”إبداعه”، فإن حدث وتمظهر، أحياناً، شيء من هذا، هنا أو هناك، فينبغي استقباله بحذر شديد، وفي أضيق الحدود، بلا توسُّع مجَّانيٍّ، أو تعميم مخلٍّ، على أن تلك مسألة أخرى!

(2)

مهما يكن من أمر، فإن الحضور الطاغي للعناصر المذكورة في شعر مكي، والتي يمكن إجمالها تحت عنوان هذه المقالة، لهوَ مِمَّا لا يحتاج إلى “فانوس ديوجينس” أدبي للكشف عنه، أو إلى نقد احترافي لسبر غوره، إذ يستطيع ذلك، من الوهلة الأولى، حتَّى المتلقِّي غير المتخصِّص في هذا المجال. ففي مناسبة احتفاء اجتماعي، مثلاً، بعودة مكي الأولى من أمريكا، ذات نهار في منتصف عقد الألفيَّة الأوَّل، وذلك بعد غياب دام سنوات طوال، كان ثمَّة لفيف من مفكرين، وأدباء، وشعراء، وموسيقيِّين، وتشكيليِّين، وساسة اتفقوا، جميعاً، على إنابة الإمام الصَّادق المهدي عنهم في إلقاء كلمة ترحيبهم بالمحتفى به. فإذا بالإمام يعرِّج، في حديثه، إلى قدرة مكي على تمجيد “التلقائيَّة” في تمظهراتها السُّودانيَّة، من خلال قول شعري غاية في البساطة، ضمن ديوانه الأوَّل “أمَّتي”، ومع ذلك بلغ، في تذوُّق الإمام، حدَّ الصُّورة الشِّعريَّة “الطريفة”، “المدهشة”، “غير المسبوقة”، والتي لا بُدَّ أن مكي التقطها من تأمُّل عميق، واستكشاف متفرِّد، لـ “التلقائيَّة السَّلسة”، حتَّى في “مشهديَّة” الشَّوارع “الخلفيَّة” للظاهرات السُّودانيَّة، خلال خمسينات القرن المنصرم، مِمَّا انطبع، بأصالة فائقة، في تشبيهه للخرطوم، لدى أوَّل لقاء له بها، قادماً من بعض بلدات غرب السُّودان، بأنها: “مثلُ عاهرات الرِّيف لا يبسطن كفاً للثَّمن/ يتركنه يندسُّ في الصدر وتحت المرتبة”! فكانت سلاسة “التِّلقائيَّة” المائزة لذلك “المشهد” نموذجاً مكتنزاً بقدر من الصِّدق الفنِّي لا تخطئه العين، حتَّى من الوهلة الأولى، مِمَّا جعل عدواه تسري، بقوَّة، إلى ذائقة الإمام، وبلاغته.

(3)

تثور، هنا، ملاحظة مهمَّة تتعلق بتداخل هذه “التِّلقائيَّة” مع الحضور الطاغي للقضايا “الفكريَّة” في غالب نصوص مكي الشِّعريَّة التي يضمُّها ديوان “أمَّتي”، ولا غرو، فمكي هو من جعل من لقاح “الغابة والصَّحراء” الهُويوي، والذي اجترحاه هو والنُّور عثمان أبكر خلال رحلتهما الألمانيَّة في النِّصف الأوَّل من ستِّينات القرن الماضي، إطاراً عاماً لبذله الإبداعي، رغم ما قد يلوح، للوهلة الأولى، من تناقض نظري في هذا التَّداخل! لكن، بصرف النَّظر عن أيِّ مستوى من الاتفاق أو الاختلاف مع مكي على هذا الصَّعيد، وبرغم كلِّ ما راكم تراث الَّنقد العربي من احتفاء بلحظة “الانفعال” الخاطفة التي تغيِّب “الوعي”، كخاصيَّة أصيلة للشِّعر، فإنك لا تلمس، مع ذلك، أيَّ تعارض بين الحضور “الفكري” وبين عذوبة لحظة “الانفعال” المائزة لشعريَّة مكي. لذا فإن القصيدة لا تنزلق بين يديه، بالغاً ما بلغ دفع “الفِكر”، إلى تخوم “الفلسفة”، خصوصاً وهو الشَّاعر ذو الطاقة الواسعة التي تتجاوز محدوديَّة “انفعال اللحظة الشِّعريَّة” دون أن تخلط بين “الشِّعر” وبين “الفلسفة”. فبفضل هذه الطاقة تجاوزت قصيدة مكي ضيق التَّعاليم النَّقديَّة المتوارثة، ضمن تقاليد المدرسة العربيَّة بالذَّات، خصوصاً ما تعلق منها بتقدير “انفعال اللحظة الشِّعريَّة”!

(4)

ولمكي، في هذا الدِّيوان، كما وفي مجموعاته الشِّعريَّة التَّالية، شغف ملحوظ بمباغتة المتلقي بما لا يتوقَّع، من خلال “مشهديَّة” خاصَّة مضمونها رؤية ما لا يرى الآخرون، ضمن الكثير من عناصر شعريَّته التي تجعله عصيَّاً على الاستسهال أو التَّنميط. فلئن كانت “العذوبة” بمثابة الشَّفرة الأساسيَّة لهذه الشِّعريَّة، فإن “الطرافة المشهديَّة المدهشة” التي قد تتَّخذ أحياناً شكل الصُّورة الثَّابتة still photography، وأحياناً أخرى المتحرِّكة motion picture، تشكِّل، مع “السُّهولة الممتنعة” و”التلقائيَّة السَّلسة”، أبرز عناصر هذه “العذوبة”، مِمَّا يشحن نصوص مكي بحيويَّة دافقة، ويمنحها سلطة استثنائيَّة على العقل والوجدان معاً، وينصِّب مكي نفسه، عن جدارة واستحقاق، أميراً لجيل، وربَّما جيلين أو أكثر، من شعراء بلادنا، خصوصاً منذ نشر ديوانه البكر ذاك في خواتيم ستِّينات ومطالع سبعينات القرن المنصرم، والذي أحدث صدوره دويَّاً لا يماثله سوى انفجار قنبلة هائلة!

ومن نماذج مكي المباغتة للمتلقي بالطريف، في ديوان “أمَّتي”، من صنوف “المشهديَّة” غير المتوقَّعة، تشبيهه، مثلاً، إحساس الحبِّ الأوَّل بـ “دبيب بعوض داخل طبلة أذن”، أو بـ “الرغبة في تحكيك قفاً أو ذقن”! ووصفه للباعة في منطقة ما بين النَّهرين، الأبيض والأزرق، بأنَّهم “ملحاحون وحلافون ولهم آذان تسمع رنَّة قرش في المريخ”! ووصفه لعذوبة ضيفيه بأنها “عذوبة دمية حولاء”! وأن حبيبته “صغيرة لا تملأ الكفَّ ولكن متعبة”! وإلى ذلك وصفه لما جرى ذات أمسية قضاها مع حبيبته على شاطئ النِّيل، حيث “تغامزت عليَّ نجمتان، تنحنح النِّيل الوقور هازلا، وهنَّأتني نجمة مغازلة، وقال لي الشَّارع من يماثلك”! وكذا وصفه لتشرُّد الصِّبا “في العشيَّات، وإذ أسير دون أصدقاء، تخرج لي لسانها الطوابق العليا .. ويرقص البناء كيداً وسخرية”! وصياحه للخرطوم في أذنها حول ما قال عنها “الكهَّان والمخنَّثون”، حيث “تحدَّثوا حتى أثاروا حسدي، وتعرفين أنني وراء لحظة من النِّعمة فوق جسدِ، أبيع للمضاربين مسبحتي وولدي”!

وربَّما ينسج مكي القصيدة بأكملها في نسق هذه “المشهديَّة”، كما فعل، مثلاً، في نصِّ “ظهيرة على الشَّاطئ”، ومن أجوائها في وصف النِّيل: “منحدراً من جبل القمرْ/ محمَّلاً بالمدن الصِّبيانِ/ وبالنَسل وبالثَّمرْ/ يُقْبل كالدَّيمومةِ الخضراءْ/ مخترقاً مغاورَ الغابِ/ إلى مغاورِ الصَّحراءْ”! ومن أجوائها أيضاً: “خمسُ نساءٍ فقراءْ/ يجمعن للوقود ساقط الأغصان واللحاءْ/ وعندما أقبل حارس الغابةِ/ في دوَّامة من الصِّياحْ/ قذفن للأرض بما جـمعنه/ وأطلقـن مع الرِّياح/ سيقانهـنَّ/ واخـتفين في دوَّامـة من الصِّـياحْ”!

وقد يقترب مكي، بـ “مشهديَّته” المدهشة، من تراث الغناء الوصفي الشَّعبي لدى بعض مستعربي السُّودان: “يا شجر السَّنطْ/ بوجهكَ المرصوع بالنوُّار/ بجذعكَ المَهُولْ/ بشوكِكَ الأبيضِ كالشَّيْبِ على مَفارقِ الكهولْ/ أخُضرةٌ أنتَ أم اصفرارْ/ وصُفرةٌ أنتَ أم احمرارْ/ وعاشقٌ أنتَ أم النَّهارْ/ ألهبَ وجنتيكَ بالفخرِ/ وشدَّ قامتَكْ”؟! ولعله، بهذا، يستلهم نصَّ شاعر الشَّعب، ومغنيه الأعظم، خليل فرح، في عاميَّة أواسط البلاد: “صَبَغْ الخَدِّينْ صُفْرةْ/ وبَعَدِ سَاعَةْ بَشُوفْ حُمْرَةْ/ الاحْمِرَارْ دَا كَتِيرْ/ أَخْجَلُوكْ يَا أَمِيرْ/ ولا نُمْتَ نِهَارْ”؟!

(5)

ويحدث أن يبلغ مكي، أحياناً، حدَّ سبك الفاظ النَّثر السِّياسي، أو حتى الكلام اليومي، وإدغامها في العبارة والصُّورة الشِّعريَّتين، لا أروع ولا أبدع. فإذا واصلنا القطف من ديوان “أمتي”، فثمَّة قوله الذي قد يطابق “الأيديولوجيا” الصَّريحة، ومع ذلك نكاد نغفل عن كونه كذلك، لشدَّة “عذوبة” سبكه في “مشهديَّة” شِّعريَّة مدهشة، أو في “امتناع” سهولته، أو “تلقائيَّة” سلاسته: “هذا مجدُ الإنسانْ، أن يأكلَ قبلَ المدخنةِ، ويصفِّر قبلَ القاطرةِ، وينامَ على قلبِ أخيه الإنسانْ”! أو وصفه للطغاة بـ “الخائنينْ السَّارقينْ القاتلينْ الحاسبينْ الشَّعبَ أغناماً وشاءَ”! أو قوله في وصف القرشي، شهيد ثورة أكتوبر 1964م الأوَّل: “وكان في المقدِّمةْ/ على خطوطِ النَّار والخطرْ/ فجندلوه بالرُّصاصْ”! أو قوله الآخر في مدحه: “تصاعدتْ إلى النَّعيم روحُهُ الزَّكيَّةْ، إلى الخلودِ بطلاً وثائِرا، وقائِداً رعيلَ الشُّهدا”! أو قوله في تمجيد الحراك الجَّماهيري: “الثَّورةُ الشَّعبيَّة الكبرى تغذَّت بالدِّماءْ”!

هنا يثبت مكي أن محكَّ “الشِّعريَّة” ليست “الألفاظ المفردة”، كما يظنُّ البعض، توهُّماً، بل “التَّراكيب”. ففي هذه النَّماذج، وفي الكثير غيرها، تفلت لغة مكي من حبائل الوهم الذي ما ينفكُّ يعشِّش في أذهان الكثير من الشُّعراء، ومن المتلقين، بل، وللأسف، من النُّقاد، بوجه مخصوص، حول ما يُعرف بـ “لغة الشِّعر”، فلكأن للشِّعر لغة قوامها، لدى هؤلاء وأولئك، جداول “ألفاظ” يسلسلونها، ويحسبونها، في حدِّ ذاتها، رطبة، ناعمة، ملساء، فتصلح للشِّعر، بينما غيرها يابس، خشن، مجعَّد، فلا يصلح إلا للنَّثر، مِمَّا كان محلَّ سخريَّة صلاح أحمد إبراهيم. بل ولقد تصدَّت للكشف عن خطل هذا الوهم، منذ عهود طويلة، قمم شوامخ في تاريخ الأدب العربي، كالجُّرجاني والجَّاحظ، مثلاً، وذلك في إطار الجَّدل الذي احتدم، ردحاً من الزَّمن، حول ما عُرف بـ “قضيَّة اللفظ والمعنى”. فلمَّا أجهد أنصار “اللفظ” أنفسهم في إثبات أن حسن “الكلام” من حسن “ألفاظه”، ثمَّ انطلقوا يعظمون “القرآن الكريم” على هذا الأساس الخاطئ، انبرى لحججهم الإمام عبد القاهر الجُّرجاني يفنِّدها، في سفره الفريد “دلائل الإعجاز”، من زاوية أن “الألفاظ المفردة” هي محض وسائط لبلوغ البيان، فلا يُتصوَّر أن يقع تفاضل بينها دون أن تدخل في “تراكيب”. أما الجاحظ، فرغم أنه يُنسب، عادة، إلى “اللفظيين”، إلا أنه شدَّد أيضاً، في “البيان والتَّبيين”، على أن مردَّ الأمر، في استعمال “الألفاظ” وسبك الأسلوب، إلى المعنى أو الموقف، لا إلى “اللفظ المفرد” في حدِّ ذاته. ولعلَّ شعر مكي يقدِّم شهادة معاصرة على سداد هذا المذهب.

كمال الجزولي



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.