ما أهداف قروض الصين ومجموعة البريكس للدول الأفريقية؟! – صحيفة الراكوبة

ما أهداف قروض الصين ومجموعة البريكس للدول الأفريقية؟! – صحيفة الراكوبة


مبارك أردول

استهلال:

اختلّ النظام المالي العالمي بعد أن غيرت الولايات المتحدة نظام مقياس الذهب إلي الدولار بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وجلعت عملتها مقياساً عالمياً للنظام المالي العالمي في مؤتمر بريتون وودز بعد إنشاء البنك الدولي وصندق النقد الدولي. أجبرت تلك المؤسسات الدول الضعيفة على اتباع إجراءات تكرّس تبعيتها لدول المركز العالمي وتؤدي في نهاية المطاف إلى تطبع الدول الضعيفة بطابع الدول المركزية القوية ذات الطابع الرأسمالي والنيوليبرالي مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. قال الدكتور سمير أمين في محاضرة القاها بجامعة بكين في عام (2015م) إن القبول ببرنامج الإصلاح الهيكلي هو القبول بإعادة الاستعمار.

عقدت الدول الافريقية مؤتمراً في مونروفيا في بداية السبعينيات واعقبته بخطة عمل لاغوس من اجل نهضة افريقيا واستقلالها الاقتصادي، وجاء كل ذلك على ضوء مؤتمر باندونق الذي عقد في منتصف الخمسينيات، لم تجد تلك الخطط حظها من التنفيذ لضعف الدول الافريقية وكذلك امتناع مؤسسات بريتون وودز عن دعمها والوقوف معها لتنفيذ هذه الخطط، لما ستقود اليه في النهاية في حينها من الاستقلالية الاقتصادية، وذهبت تلك المؤسسات وخلفها دول المركز العالمي  للاستعاضة عن ذلك ببرنامج ذي طابع رأسمالي نيوليبرالي يدعم تحكمها وسيطرتها بل ويؤمن تبعية الدول الافريقية لها، عرف ببرنامج الإصلاح الهيكلي بحيث تضمن تلك البرامج بان اقتصاديات الدول الافريقية ستكون تابعة لها،  ستوفر لها المواد الخام والايدي العاملة الزهيدة وستكون سوقاً لمنتجاتها الباهظة الثمن (فرانز هايدسوغيدون اوبيري2011م). 

ومع استمرار تنفيذ تلك البرامج المقدمة من مؤسسات بريتون وودز لأكثر من عقدين من الزمان، اغرقت الدول الافريقية في ديون عالية بلغت مليارات الدولارات وعاش مواطنوها في فقر مدقع وبطالة عالية بل ودخلت في حروب ونزاعات طويلة الأمد ولدت حركة نزوح داخلية وخارجية، ومع فشل تلك البرامج كان لابد من البحث عن كيفية مساعدة الدول الافريقية على لملمة أطرافها ونهضتها والتخلص من ذلك الإرث النيوليبرالي.

تبحث هذه الورقة الحديث عن برنامج بديل ومغاير في مضمونه وأهدافه لبرنامج مؤسسات بريتون وودز لعله يكون هو الأمل المرتجى الذي يمكن تطبيقه خاصة مع صعود الصين كقوى اقتصادية مناظرة للغرب ومنافسة له أيضاً وظهور تكتل اقتصادي اخر باسم مجموعة (البريكس) والذي يشمل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب افريقيا.

برنامج الإصلاح الهيكلي:

هو برنامج تم فرضه بواسطة مؤسسات الرأسمالية الغربية والتي أٌنشئت عقب مؤتمر بريتون وودز وهي مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والبرنامج يتضمن حزمة من السياسات وضعت في فحواها شروط مسبقة لكل الدول التي تطالب بقروض من الدول المانحة او الاستدانة او إعفائها من الديون، حيث تضمن برنامج الاصلاح الهيكلي، ان تلتزم الدول المستدينة بفتح سوقها وخصخصة قطاعات مهمة كانت حكراً على الحكومة او غيرها، والاندماج في نظام السوق الحر والعولمة ….الخ، بحيث تدخل الشركات العابرة للقارات وتستثمر في تلك البلدان وتقوم بتشغيل العمالة المحلية بشكل ضئيل وبأجور ضئيلة كذلك ويكون برنامج ضرائبها وجماركها يدفع في دول يكون برنامج ضرائبها منخفضة، مستغلة بذلك إحدى مزايا برنامج التثبت الاقتصادي تحت البند الثالث في تشجيع الاستثمار الخاص الأجنبي والمحلي، وهو حرية تحويل الأرباح إلى الخارج. قال عمرو فاروق خبير الضرائب بشركة ارنست آند يونج بالمملكة العربية السعودية، أن الشركات متعددة الجنسيات تستخدم تسعير المعاملات الدولية في تجنب دفع الضرائب من خلال تحويل الأرباح لدول ذات نسب ضرائب منخفضة، وترحيل الخسائر إلى الدول التي تفرض ضرائب مرتفعة، من خلال عمليات معقدة تعتمد على تعدد دول نشاط الشركة وفروعها المختلفة (منى ضياء2016م).

والشركات العابرة للقارات او المتعددة الجنسيات تسيطر على غالبية أنشطة الاقتصاد العالمي  وهي في غالبيتها مملوكة للدول الغربية، وتتهرب من الضرائب، قال الدكتور مصطفى عبد القادر أن أكثر من 60% من الاقتصاد العالمي يتم من خلال الشركات الدولية أو العابرة للقارات، وأضاف” لابد أن تفصح الشركات عن طبيعة تسعير المعاملات حتى يمكن محاسبتها ضريبيا بصورة صحيحة، وان الشركات الدولية أو العابرة للقارات تتهرب من دفع الضرائب للدول النامية بحيث أفقدت الدول النامية حوالي 100 مليار دولار، وهو رقم ضخم جدا” (المصدر السابق).

أيضا يجبر برنامج الإصلاح الهيكلي الدول على رفع الدعم عن السلع والخدمات التي تقدم مباشرة للمواطن كما سنبينها لاحقا، مثل الصحة والتعليم والإسكان والمياه والكهرباء، وتذهب ابعد من ذلك حيث تلزم الدول بعدم دعم البحوث العلمية والأكاديمية، وفي الحقيقة هذا النظام تكون نتيجته النهائية هي انسحاب الشركات الوطنية لصالح الشركات الكبرى الغربية الاصل (غالبا) او بيع أسهمها لها. تجدر الإشارة الي أن البرنامج يشرعن عملية امتصاص فائض القيمة لصالح الدول القوية، تقول أسماء عفيفي واخرون (2017) يؤدي البرنامج الي الاختناق المالي للشركات الصغيرة والمتوسطة (الوطنية غالبا) مما يؤدي إلي امتصاصها وتدهورها لصالح الشركات المحمية العبارة للقارات.

والشركات العابرة للقارات التي أنشئت بسبب النيوليبرالية واجبرت الدول الضعيفة على تقبل استثماراتها أصبحت ضخمة وتفوق نواتجها وميزانياتها ميزانيات دول كاملة، يقول على حصين الأحبابي (2006) “باتت هذه الشركات الضخمة تنافس الدول وفي بعض الأحيان نجد أن ناتج بعض هذه الشركات العملاقة يفوق الناتج القومي لكثير من دول العالم. فمثلاً نجد أن شركة ميتسوبيشي اليابانية وصل دخلها لعام 2001 إلى 126 مليار دولار أميركي. كذلك الحال مع شركة محلات وول مارت التجارية التي وصلت عوائدها في عام 2002 إلى 247 مليار دولار، وإذا ما قورنت هذه العوائد الضخمة لهذه الشركات العملاقة بالناتج القومي لبعض الدول فإننا نجدها تفوقه بدرجات (البيان الامارتية 2006م)

وتضيف أسماء عفيفي واخرون (2017) إن برنامج الإصلاح الهيكلي هو من أهم البرامج التي عرفت خلال الثمانينات والتسعينيات لصندوق النقد الدولي، وذلك لإصلاح الاختلالات الداخلية والخارجية التي يعانى منها الاقتصاد وذلك بعد تثبيت الحال الاقتصادي. وتضيف بأن البرنامج يقوم على التصحيح الاقتصادي أو مايعرف بالتعديل الهيكلي على إعادة صياغة الهياكل الاقتصادية، وتحضير إطار تشغيلي لاقتصاد السوق الذى يكون من ضمن البرامج المدعومة من صندوق النقد الدولي، وذلك إلى جانب برامج أخرى يدعمها البنك الدولي.

وللبرنامج سياسة نقدية تقوم على تخفيض قيمة العملة وتحرير سعر الصرف وجعله مرن وواقعي إلى جانب مكافحة التضخم، وكذلك سياسة تجارية تقوم على تشجيع التبادل الخارجي وتشجيع المنافسة بعد تحرير الأسعار وتحرير التجارة الخارجية، وسياسة مالية تهدف إلى الاستقرار الاقتصادي وتشجيع ترشيد الإنفاق من خلال سياسة النظام الضريبي والنظام المالي والتجاري وذلك بقصد رفع الإيرادات العامة، وأخيرا سياسة تحسين النمو الاقتصادي وهو خاص بإعادة هيكلة القطاع العام والتحول للخصخصة، وتواصل نقلا عن الحملاوي 2013 -2014 بأن الصندوق يقدم تسهيلات في المدى الطويل والمتوسط نتاج تطبيق سياساته وتسحب هذه التسهيلات بنسبة مختلفة حسب أي برنامج ومن حصة الدولة نفسها، وأخريات لها أسعار فائدة كذلك، أهمها تسهيل التمويل التعويضي وتسهيلات التكيف الهيكلي، والتسهيلات الموسعة ومساعدات الطوارئ والتعويضات وتسهيل النمو والحد من الفقر(اسماء عفيفي واخرون 2017م ).

يقول الدكتور سمير أمين (2015م) أن برنامج الإصلاح الهيكلي والاختلالات الناتجة من سوء توزيع الثروة العالمية يجبر الملايين الي الهجرة من الدول الأكثر استغلالاً او المدمرة الي الدول الأقل تخريباً واقل استغلالاً.

نتائج تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي:

عند القبول او الاجبار بالمعني الفعلي لتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي وبمرور الوقت يزداد حجم الديون وتفتقد الدولة الاستثمار في القطاعات الحيوية وتفقد مواردها، هذا بالإضافة إلى زيادة في الضرائب والجبايات على المواطن مع رفع يدها عن الخدمات مثل الصحة والتعليم والاسكان والمياه والكهرباء ووقود الطبخ، مما يجعل الدولة تضحي بمواطنها لصالح الشركات الغربية وجشعها لصالح نظام الاصلاح الهيكلي وهو في الحقيقة تخريب ممنهج لاقتصاديات الدولة المستدينة.

تقول اسماء عفيفي واخرون 2017م إن تطبيق سياسة الإصلاح الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد الدولي ترتب عليها ابعاد متعددة اقتصادية واجتماعية، فالأبعاد الاقتصادية تتمثل في كونها تؤدي الي انخفاض معدل النمو، وكذلك الي تخفيض قيمة العملة المحلية المقترن بإلغاء دعم الاستهلاك والرقابة علي الأسعار ويؤدي ذلك إلي ارتفاع متسارع للأسعار للوصول إلي المستوي العالمي في الوقت الذي تتجمد فيه القوة الشرائية بهدف تحديد الطلب وتفادي الضغوط التضخمية، وقد يحدث أن يؤدي التخفيض في قيمة العملة إلي نوع من (الدولرة) بحيث يعوض الدولار العملة المحلية بشكل غير رسمي، وتؤدي أيضا الي ارتفاع نسبة البطالة.

وفي الابعاد الاجتماعية ينتج عن ذلك كميات كبيرة من البطالة، نتائج تطبيق برنامج الاصلاح الهيكلي في البطالة وكذلك يزيد من معدل الفقر وتزداد أعداد المهاجرين وتدخل الدولة في صراعات مسلحة واضطرابات سياسية وضعف وتلاشي الدول.

ويقر المغربي (2010م ) بتأثير برامج الإصلاح الهيكلي اجتماعيا حيث يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل بارز وخاصة في تدهور مستوي أصحاب الدخول الثابتة ومحدودي الدخل، ففي دراسة عن المغرب  أشارت إلي أن نسبة الفقراء في ريف المغرب  قد بلغت 50% خلال فترة الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، كذلك الحال في تونس حيث عرفت المناطق الحضرية داخل المدن الكبرى بتزايد نسبة الفقراء خلال فترة الإصلاح الاقتصادي.

تقول (اسماء عفيفي واخرون 2017م ) أيضا أن الأبعاد الاجتماعية تتمثل في الآثار الأساسية الناجمة بشكل مباشر عن سياسات التكيف الهيكلي في الفقر وسوء توزيع الدخل والبطالة، كالخصخصة مثلاً وما ترتب عليها من اغلاق مؤسسات بأكملها، وتصفيتها وتسريح عمالها وكذلك تخفيض قيمة النقد وانخفاض حجم الاستثمار وتعطل الآلة الإنتاجية. ففي مصر تشير التقديرات الرسمية لجهاز التعبئة العامة والإحصاء إلي أن السنتين التاليتين لتطبيق برنامج التكيف الهيكلي قد شهدتا انخفاضاً مطلقاً في عدد المشتغلين كما أن معدلات البطالة ارتفعت بين 1990-1995 من حوالي 5.11% الي 8%.

وتضيف رشوان (2003م) بأن البرنامج يؤدي الي تخفيض القيمة الحقيقية للأجور وتخفيض إلغاء الدعم علي بعض السلع والخدمات الحكومية وفرض ضرائب أو زيادة الرسوم علي هذه الخدمات إضافة إلي تخفيض قيمة العملة بما يستتبعه ذلك من ارتفاع أسعار السلع المستوردة أوالمشتملة علي مدخلات مستوردة  وكذلك فرض الضرائب غير المباشرة وتسهم كل تلك السياسات بصورة مباشرة في زيادة الفقر.

تقول سعاد مهماني (20082009م) يعترف خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن لبرامج الاصلاح الهيكلي آثاراً سلبية وبخاصة في المجال الاجتماعي منها ما أضر بما يسمى الجماعات الأشد تعرضاً للمخاطر، مثل عمال القطاع العام والموظفين بالإدارات الحكومية من ذوي الدخل المحدود، والعاطلين عن العمل، أطفال الأسر الفقيرة، عمال الزراعة والمحرومين من ملكية الأراضي، المسنين وأصحاب المعاشات، ومن يعيشون على الاعانات الاجتماعية … الخ ، وهم يشكلون أغلبية سكان البلدان النامية”.

ولكن رغم ذلك ينتقل هذا البرنامج من دول الي أخرى في ظل التبادل غير المتكافئ بين دول الشمال العالمي والجنوب العالمي فيزيد من الفوارق في حجم اقتصادياتها ونموها، ويسيطر على قرار وسيادة تلك الدول السياسية ونتيجة لذلك ايضاً تتكدس الثروة الدولية في يد نخبة محددة وطنية تأخذ القليل وأخرى عالمية تأخذ الكثير ويعيش الغالبية الساحقة حالة عدم، وبرنامج الاصلاح الهيكلي رغم سوئه ونتائجه الكارثية على تلك الدول والشعوب نجده مازال متبعاً ولم يخضع للتقييم او المراجعة لما إذا كان يحقق نمو وازدهار تلك البلدان المستدينة او لا تجد تلك البلدان من مفر سوى الخضوع له.

إمكانية طرح برنامج بديل:

في ظل متابعتنا لنتائج قمة او منتدي التعاون الصيني الافريقي الشهيرة بالفوكاك (FOCAC) الذي عقد مؤخرا في بكين2018م، وقامت الصين بمنح قروض ببلايين الدولارات للدول الافريقية بلغت ستين بليون دولار وحوالي الخمسين الف منحة دراسية للطلبة الأفارقة، وقد ذكر الرئيس الصيني أن القروض ستمنح في شكل مساعدات للدول او بشكل استثمارات او في شكل أموال عبر المؤسسات المالية، بحيث قسمت كالآتي 15 بليون دولار كقروض ميسرة بلا فوائد، و20 بليون دولار كودائع ائتمانية، وانشاء صندوق خاص بتكلفة 10 بليون دولار لتمويل التنمية و5 بليون دولار لإنشاء صندوق خاص لتمويل الواردات من إفريقيا، كما شجعت الشركات الصينية على استثمارات بقيمة 10 بليون دولار أمريكي في افريقيا خلال السنوات الثلاث القادمة على الأقل. وأضاف الرئيس الصيني بان دولته ستنفذ ثمانية مقترحات لمشاريع عملاقة في افريقيا خلال الثلاث سنوات القادمة وما بعدها، من ضمنها التنمية الصناعية والطرق والبنية التحتية والتسهيلات التجارية والمشاريع الصديقة للبيئة (التنمية الخضراء)، بالإضافة الي تحفيز الدول الافريقية لعرض منتجاتها في المعارض الصينية وبرنامج تنمية القدرات مثل بناء مراكز للتدريب المهني والمنح الدراسية بالإضافة لزيارات الخبراء والزيارات التبادلية.

ومع تطور وبروز مجموعة (البريكس) واتفاقها لإنشاء بنك التنمية الجديد من ضمن مؤسسات آخري هي  المركز الإقليمي الافريقي واتفاقية المساهمة في راس المال البالغ قدره مائة مليون دولار امريكي، ومساهمة الصين بأكثر من 40% من رأسماله، ومن باب تعاون دول الجنوب العالمي، تبادر الينا تساؤل عن ماهية قروض الصين الممنوحة، هل هذه القروض ممنوحة وفق برنامج تحسن تعديل او ضبط سلوكيات  تلك الدول لصالح سياسات جمهورية الصين الخارجية؟ ام منحت وفق برنامج الاصلاح الهيكلي كما يحدث من قبل مؤسسات بريتون وودز مثل القروض التي تمنحها صندوق النقد الدولي؟ ام أن هنالك برنامجا جديدا بشان القروض اتفقت عليه مجموعة (البريكس) وماهي ملامح ذلك البرنامج؟ هل يمكن اتباع برنامج اخر مغاير لبرنامج الاصلاح الهيكلي لمؤسسات بريتون وودز؟ ويمكن أن نطلق عليه برنامج الاصلاح الاشتراكي، بحيث اننا نفترض ان مجموعة (البريكس) وخاصة جمهورية الصين الشعبية لطابعها الاشتراكي المناهض للغرب والمتطلع لاستعادة قطبية جديدة في العالم، هل ستذهب على خطى الغرب في سياسات القروض والمنح مثلها ام ستلزم الدول باتباع برنامجا  اشتراكيا بحيث في اخر المطاف تتحول من المعسكر الغربي نحو المعسكر الشرقي او تكون ضمن العالم الجديد الذي ستشكله وتقوده مجموعة البريكس، وكيف ستكون ملامح ذلك البرنامج، برنامج الاصلاح الاشتراكي؟ وكيف يمكن التخلص من تركة وارث الرأسمالية؟

وبما ان الفكر الاشتراكي كما ذكره كارل ماركس وتحدث عن تناقضات الرأسمالية وذكر من بينها  ان النظام الرأسمالي يخلق عدم تكافؤ في الكسب بين الملاك والعمال وبذلك تتكدس الثروات في يد القلة من الملاك (البرجوازية) ويكون البقية العمال (البرولتاريا) محرومون مما يخلق كساداً اقتصادياً في السوق، بحيث أن القلة المسيطرة على الثروة لايمكنها ان تكون قوة شرائية كبيرة تواجه معروضات السوق، وبينما المجموعة الكبيرة تكون معدمة وغير قادرة على تحريك السوق، وبالتالي يخلق ازمات اقتصادية خطيرة منها زيادة الاختناق على البرولتاريا وثورتها على البرجوازية  لتغيير الاوضاع لصالحها، ومع تطور الرأسمالية وخروجها الي بقية دول العالم عبر مؤسسات بريتون وودز وتصديرها لأزماتها وتناقضاتها في الخارج خلقت الحروب وعدم الاستقرار وغيره، وأياً كان فنتائجها بائنة الآن، فهل فكرت الصين ومجموعة (البريكس) في عالم اكثر سلما وعدلا ومختلف عن عالم القطب الرأسمالي؟ وهل يمكنها أن تمنح تلك القروض مقابل تطبيق النظام الاشتراكي في الدول المستدينة، ومساعدتها للخروج من قبضة الغرب وديونه التي أثقلتها تناقضات الرأسمالية وانهكتها، والطريق المسدود أمامها للخروج من قبضة الدائنين؟ فالقروض الصينية الجديدة يمكن أن توفر الكسب للجميع وتخلق فرص عمل لهم وبالتالي فتح أسواق جديدة أوسع لمنتجاتها وتحاشي الحروب وعدم الاستقرار الذي نتج عن صراع وجشع الرأسمالية؟.

نرى أن برنامج الاصلاح الاشتراكي إذا طبق سيقود وسيصبح العالم متزناً وخالياً من اختلالات الرأسمالية، ويمكن لمجموعة (البريكس) عبره أن تصنع برنامجاً تنموياً يمكنها من الاستثمار في ديون تلك الدول المثقلة به ايضاً، بحيث يكون منح القروض الجديدة مقابل الغاء الخصخصة وارجاع نظام الاحتكارات التي ألغاها نظام بريتون وودز، والغاء نظام التجارة الحرة، وارجاع الشركات المخصخصة لملكيات حكومية تمنح كاستثمار للدائنين الجدد في مجموعة (البريكس) لتشغيله، حيث ستذهب العوائد والأرباح مقسمة حسب جداول الي ثلاثة جهات، للدائن الجديد ولتنمية الدولة المستدينة ولسداد ديون الدائن القديم، وبعد مرور الوقت تكون تلك الدول تخلصت من تركة وارث الرأسمالية وحققت اندماجاً جديداً في المجتمع الاشتراكي  .

فدولة مثل جمهورية الصين الشعبية كأكبر اقتصاد في مجموعة (البريكس) والمانح الأكبر حسب اتفاقية المساهمة في رأس المال الموقعة في 15 يوليو 2014م، حيث بلغت نسبتها 41 بليون دولار من جملة 100 بليون دولار، فلايمكن للصين ان تطبق الاشتراكية في داخلها والرأسمالية في خارج حدودها بسبب أن الاشتراكية لم تكن واضحة في العلاقات الخارجية ومابين الدول خاصة مختلفة الأنظمة، ولا يمكنها أن تخلق تناقضات بين شعوب العالم، ودور الدول الاشتراكية تجاه بقية الدول في العالم يجب ألّا يقتصر على مد حركاتها التحررية بالسلاح فقط والمساعدة في إزاحة النظام السابق والذي غالبا ما يكون منحازاً للغرب، بل يجب أن يكون هنالك برنامج اشتراكي يمكن أن يتم تقديمه هذه المرة  كسياسات وبرنامج بديل عبر بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة (البريكس) أو لدولة الصين لوحدها كمانحة منفردة.

يمكننا ان نبين ملامح ذلك البرنامج الذي يسعى الي الإصلاح الاشتراكي ان يحوي هذه السياسات عموما، وهي في مجملها ستلغي برنامج الإصلاح الهيكلي وتبعاته ويحل تدريجيا الإصلاح الاشتراكي، نجمل السياسات في الاتي: 

–       أن تقوم السياسة على تشجيع صناعة المنتجات المحلية كمنتج نهائي لتغطية حاجة السوق المحلية وفي نفس الوقت وضع قيود على الاستيراد للسلع المشابهة خاصة من الدول الغربية.

–       أن تتحكم الدولة في التشريعات الاقتصادية لما يحقق مصالحها ويتماشى مع إجراءات دول (البريكس).

–       الرقابة على الصرف الأجنبي.

–       الغاء نظام التجارة الحرة والاستعاضة عنه ببرنامج للتجارة التفضيلية لصالح دول (البريكس).

–       تأميم الشركات المخصصة وتعويض المتضررين من عملية التأميم، وإلغاء برنامج الخصخصة.

–       تخفيض الضرائب على صغار المنتجين المحليين.

–       دعم الدولة للخدمات الصحة والتعليم والمياه والإسكان والثقافة …الخ والتي تمس حياة المواطن.

–       تشجيع ودعم الاختراعات والبحوث العلمية والأكاديمية.

–       منح مزايا للاستثمارات الخارجية وتحديدا للصينية ومن دول (البريكس).

–       تنظيم حيازة الدولة للأرض وسن تشريعات متوازنة تحقق مصالح مشتركة مع ملاكها التقليديين.

–       التفكير من مجموعة (البريكس) في السياسات النقدية  البديلة بمراجعة معيار الدولار بعملة أخرى  أو العودة لمعيار الذهب.

خلاصة :

مع تعدد الازمات الاقتصادية منذ تطبيق نظام بريتون وودز في منتصف الاربعينيات وسيطرة الرأسمالية واحتكارها (حسب د. سمير أمين) على التكنولوجيا في العالم وكذلك على الآلة الدعائية والإعلام وأعطت نفسها حق الحصول المطلق على الموارد الطبيعية في كل بقاع العالم وشيدت نظام مالي بشروطها وصنعت أسلحة دمار شامل، مما تسبب في التناقضات والكساد ونهب الثروات لدول الجنوب العالمي وقد فرخ العديد من الفقراء حول العالم وعمل على زيادة هوة الفوارق الاقتصادية بين دولة الشمال العالمي والجنوب العالمي، وفشل السياسات اللبرالية في اصلاح اقتصاديات الدول الفقيرة بل عمل على زيادة فقرها واغراقها في الديون، لكل هذا وغيره، كان لابد من التفكير في المخرج ودراسة الخيارات المتواجدة، وبعد تمحيص وقراءة للخيارات كانت مجموعة (البريكس) اكثرهم تأهيلا وبقيادة الصين، واضعين في الاعتبار النظام المختلط الذي تتبعه الصين في اقتصادها حيث انها اشتراكية ورأسمالية في نفس الوقت، كان لابد أن نقترح برنامج بديل اطلقنا عليه برنامج الإصلاح الاشتراكي، والذي يقوم على فكرة نقيضة لفكرة الإصلاح الهيكلي لمؤسسات بريتون وودز والذي يوجد خلفه السياسات اللبرالية والعولمة، والذي خلق علاقات تبادل غير متكافئ في التجارة واثراء نخب معينة مقابل افقار العوام من الناس حول العالم، وتجاوز تناقضات وحروب واضطرابات الرأسمالية ومن أجل خلق عالم عادل ويعيش في سلام.

 

المراجع والاحالات:

 

–        صحيفة نايل بوست اليوغندية – http://nilepost.co.ug/2018/09/04/china-to-give-africa-60-billion-in-aid-offers-scholarships-for-50000-students/.

–        موقع البريكس ٢٠١٨م http://www.brics2018.org.za/brics-benefits-0.

–        أسماء محمد أبوالنور عفيفي وسهير رزق محمد عبدالصمد وشروق حجازي أبوعمر وهند محمد عبدالقوى وهند نمر عطا بدوى (اثار برامج الاصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدوليفي ضوء التجارب الدولية والحالة المصرية ١٧يونيو٢٠١٧م) المركز الديمقراطي العربي (https://democraticac.de/?p=47186) .

–        فرانز هايدسوغيدوناوبيري (٢٠١١م)  (Quarterly Journal of International Agriculture 50 (2011), No. 1: 55-64. دروس من برنامج الإصلاح الهيكلي وتاثيره على الدول الافريقية (https://ageconsearch.umn.edu/bitstream/155490/2/4_Heidhues.pdf).

–        سمير امين ١١ أكتوبر ٢٠١٥م محاضرة ب(مؤتمر الماركسية العالمي الأول) جامعة بيكين الصين .

–        منار محمد رشوان، الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبرامج التكييف الاقتصادي الدولي،2003.

–        د. مختار عبد المنعم خطاب ٢٠٠٣م الإصلاح الاقتصادي والخصخصة (التجربة المصرية).

–        مني ضياء (٢٠١٧) صحيفة اليوم السابع – خبير ضرائب: الشركات متعددة الجنسيات أضاعت 100مليار دولار على الدول النامية (https://www.youm7.com/story/2016/2/6/%D8%AE%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%B6%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D8%B6%D8%A7%D8%B9%D8%AA-100%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84/2572886).

–        على حصين الأحبابي (٢٠٠٦) -البيان الامارتية ٢٠٠٦م – الشركات العابرة للقارات (https://www.albayan.ae/opinions/2006-09-11-1.868097).

 



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.