Home > sudan4tech > مشاركة الرسول في الأمر الإلهي – صحيفة الراكوبة

مشاركة الرسول في الأمر الإلهي – صحيفة الراكوبة

ايدولوجية الدولة السودانية:

مثل النظام الحاكم في السودان منذ 89 احد أسوا مراحل الدولة السودانية ، فقد انحاز ذلك النظام إلى فكر ايدولوجي أحادى وهو الفكر العربي الإسلامي واستخدم كل أدوات السلطة الأمنية والاقتصادية من اجل إقصاء الأفكار الأخرى، وساعدهم في ذلك عدم دخول النخب السابقة (ماعدا محمود محمد طه الذي لم تستفد النخب من الكوة التي فتحها) داخل المعترك العقدي حتى يتضح للمجتمعات وجود مستويات مختلفة وطرق أخرى لاستيعاب الإرشاد الإلهي.

وأصبحت السلطة الحاكمة في السودان نتيجة للانشقاقات الكثيرة طفيلية تسعي فقط للوجود في السلطة بغض النظر عن ما يمكن ان يسببه ذلك الوجود من نزيف للوطن. وحتى تستمر في السلطة بأي ثمن عملت على إذكاء نار المتناقضات داخل المجتمع السوداني وصلت حد إراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد والمجتمع أو القبيلة الواحدة وذلك من خلال إعادة مفهوم القبيلة إلى الواجهة وضخ العنصرية في دماء الشعب السوداني، كما عملت على إشعال فتيل الاختلافات الفكرية بين الفكر العربي الإسلامي وبين ما يمكن ان نسميه بالإسلام السوداني الصوفي، وتركت الحبل على القارب لأفراد لا يفقهون في معنى الدعوة للإساءة لشيوخ وطرق لها الكثير من الإتباع مما لا يبشر بخير. وللأسف هنالك جيل صاعد من المتشددين الذين لا يدركون من الحياة سوا بعض الأحاديث التي تمثل بالنسبة لهم خلاصة فكرية وعقدية. ولازالت السلطة الحاكمة تلعب بالمتناقضات والوطن يتسرب من بين أيدينا ونحن نشاهد النزيف الحاد لمجتمعه بين الموت سمبلا وبين الهجرة.

شرك الفكر العربي الإسلامي:

إذا كان احتجاج الفكر العربي الإسلامي على الإسلام الصوفي السوداني هو مظاهر الشرك العاطفي تجاه الرسول أو شيوخ الطرق، فقد أشرك الفكر العربي الإسلامي منذ بدايته عندما جعل من الرسول شريك لله في أمر الرسالة. فكل ما قاله الرسول أو ما فعله يعتبره الفكر العربي الإسلامي جزء من الدين والرسالة الإلهية، فأي الشركيين أعظم؟!!

وأزمة الفكر العربي الإسلامي حدثت عندما حور الرسالة من إرشادية إلى قيمية تتحدث عن تعاليم وأوامر إلهية كما فعل اليهود من قبلهم. ولذلك تجاوز ذلك الفكر كل ما ورد عن المعنى الحقيقي للرسالة باعتبارها دعوة إرشادية للهداية وتذكير للناس بالمعنى الحقيقي للإنسانية ومفهوم الإله المتعالي، ومعرفة الطريق المستقيم داخل كل مجتمع على حدا. فالاختلاف الإنساني هو آية من آيات الله وكذلك اختلاف القيم بين تلك المجتمعات ولكن تظل المعاني الإنسانية واحدة. فحور الفكر العربي الإسلامي الرسالة لتقول بعكس كل ذلك، فخالف الاختلاف الإنساني الواضح وقال بالمجتمع الواحد والقيم الواحدة واللغة الواحدة، فأشرك الرسول ومن ثم أشرك كل المجتمع العربي وقيمه مع الرسالة الإلهية. وتحويره لتلك الرسالة جعلها تقول بالقيم وليست بالمعاني التي يمكن ان تتجسد داخل كل المجتمعات بطرق مختلفة، فما لا يدركه ذلك الفكر نتيجة لقوله برسالة تختلف عن الإرشاد الإلهي ان تحقيق الإنسانية يختلف بين مجتمع وآخر من حيث القيم ولكنه واحد من حيث المعنى، والمعاني التي يٌذّكر بها الإرشاد ليست معاني إلهية ولكنها معاني إنسانية تتمثل في الصدق والأمانة والتكافل وعدم الاعتداء وعدم الظلم وغيرها الكثير من المعاني أو القيم الدالة على صدق الطريق وصلاحه. فهكذا يجب ان يفهم الإرشاد في كلياته اما في جزئياته فيعتمد على كل مجتمع على حدا في كيفية تحقيق إنسانية أفراده. وكذلك تجاوز الفكر العربي الإسلامي ما جاء في الإرشاد عن الدور الواضح للرسول من حيث علاقته بالإرشاد، وان لا الرسول أو غيره له علاقة بالإرشاد ولا يمكن ان يكون شريك في أمر الهي مثل الرسالة، وذكرت الرسالة ان الرسول في حياته العادية إنسان عادي يخطئ ويصيب. فتجاوز الفكر العربي الإسلامي كل ذلك للقول بان الرسول ليس جزء من الرسالة فقط ولكنه شريك في التشريع، وان حياته ككل من قول أو فعل مكمل للرسالة.

إلى النخب الفكرية:

ان البحث في الحياة عموما من إيمانيات وعقيدة وغيره إلى البحث في مفهوم الإله هي مهمة متواصلة بتواصل الحياة الإنسانية على الأرض، وركز الإرشاد عليها كثيرا وذلك بالإشارة إلى عدم أتباع ما وجد عند الآباء من أفكار وعقائد أو حتى قيم سلوكية، وذلك نتيجة لاختلاف المجتمعات باختلاف التحولات الإنسانية ولذلك يمكن لقيم ان تحقق الإنسانية في مرحلة ما من حياة المجتمع ومن ثم تصبح هي في ذاتها عائق نتيجة للتحولات تلك. وان مفهوم الإسلام المتداول والذي يتم تقسيمه إلى عقيدة وشريعة ومندوب ومباح وغيره هو عبارة عن الفكر العربي الإسلامي وليس جوهر الرسالة الإرشادية. ومن حق أي فرد ان يصل إلى إيمانه الذي سيحاسب عليه فرديا يوم القيامة دون إرهاب من جهة أو سلطة.

وإذا كانت السلطة الايدولوجية الحاكمة في السودان قد أغلقت منافذ التعبير عن الفكر الحر وتركت تلك المنافذ للمتشددين والإرهابيين وأصحاب النقل فقط الذين لا اجتهاد فكرى لهم. فعلينا الاستفادة من كل الإمكانات المتاحة من اجل الالتقاء لفتح مسارات الفكر بعيدا عن الإرهاب والإقصاء.

فهذه دعوة لكل المهتمين داخل الوطن الذين يدركون ان الأزمة السودانية الحقيقية تمثلت في أزمة نقل الأفكار وليس ابتكارها إذا كان الفكر العربي أو الفكر الغربي، علينا أن نحاول ان نتجمع من اجل فتح باب الحوار الفكري على مصرعيه دون خوف أو إرهاب من اجل الوطن وإنسانه ليس إلا، فإذا كانت هنالك مجموعات فكرية مكونة بالفعل أرجو الإشارة لها، وإذا لم تكن هنالك مجموعات أتمنى أن نلتقي كأفراد مهتمين بالفكر والشأن السوداني. ولأننا أصبحنا منتشرين في كل أصقاع الأرض، فيمكن أيضا أن نلتقي على منابر التواصل الاجتماعي من اجل إخراج الوطن من حالة البيات الفكري الطويل، فالأزمة السودانية لم تبدأ مع حكومة الإرهاب الفكري المسمية بالحركة الإسلامية ولكن نتمنى ان تنتهي معها.

خالد يس


الراكوبة