Home > sudan4tech > البزيد عن حدو … ؟ !! – صحيفة الراكوبة

البزيد عن حدو … ؟ !! – صحيفة الراكوبة

أحياناً نؤيِّد و نناصر بعض القيِّم الأخلاقية النبيلة بلا كابح و بالمطلق ، غير أن بعضها قد ينطبق عليها في كثيرمن الأحيان المثل السوداني الشهير ( البزيد عن حدو بِنقلِب ضدو ) ، فمجافاة الوسطية و عدم الإسراف و المبالغة قد تفسد الأشياء و أحياناً القيِّم التي أتفق حولها الناس ، فعلى سبيل المثال : لا يختلف إثنان على أن الإعتذار فضيلة كبرى و هو وجه لكثير من الفضائل الأخرى التى أيَّدها الدين و القانون و العرف كالتواضع و العدالة و إيفاء الحقوق لأهلها ، لكنه إن زاد عن حده و أصبح مُجتراً و فجاً و مبالغاً فيه ، فهو بلا شك يفقد معناه و تأثيره الإيجابي على المعتذر و الآخرين ، فكم من أناس نعرفهم في حياتنا إستمرأوا فضيلة الإعتذار و جعلوها أداةً للتهرب من المسئوليات و وسيلة للإحتيال على حقوق الغير ، و سبباً دبلوماسياً للتنصل عن تعويض الغير بما تم خسرانه بسبب الأخطاء سواء أن كان مادياً و معنوياً ، فالإعتذار المتكرر يجعل صاحبه معتاداً على الخطأ طالما كان الآخرين دائماً على إستعداد لقبول إعتذاره و أسفه على ما بدر ، ومن ناحية أخرى قد يكون الجنوح الى كثرة الإعتذار في معالجة مشكلات التواصل الإجتماعي و المهني و غيرها من المجالات الحياتية التي تدفع بالفرد للتواصل مع الآخرين ، مؤشراً واضحاً إلى ضعف الشخصية و إهتزاز ثقة الفرد في نفسه ، و إفتقاده إلى المهارات الأولية المتعلقة بأسس التواصل الإجتماعي و المهني و غيرها ، لذا من الضروري أن ينتبه الآباء و الأمهات و المعلمين و المسئولين عن وضع المناهج التربوية ، إلى ضرورة إستصحاب علم النفس الإجتماعي في أضابير ما يُقدمونه للأطفال في بداية تكوين شخصياتهم التي غالباً ما تعكس إنطباعاتهم و تعاملاتهم و توجهاتهم ، فضلاً عن أساليبهم في التعامل مع المشكلات المتعلقة بالتواصل مع الآخرين ، كل ما تم ذكره سابقاً هو في الأصل علم من العلوم الهامة و المعتمدة و التي غفلنا عنها على المستويين الرسمي و الإجتماعي ، و هناك الكثير من القيِّم الأخلاقية المُثلى التي يمكن أن يكون الشطط في تدوالها و تفعيلها مؤشراً لسلبيات كثيرة متعلقة بالسلوك الشخصي ، فالكرم إن مس صاحبه في قدرته على الوفاء بإلتزاماته الملحة تجاه من يعولهم يصبح نوعاً من السفه و سوءاً في إدارة و تقدير الأمور ، و الشجاعة إن زادت عن حدها العقلاني و المنطقي أصبحت تهوراً و تسرعاً و باباً لإلقاء النفس في التهلكة ، من الضروري أن نرى بعيون فاحصة ما ذا تفعل الوسطية في ما يختص بتجميل و تقويم القيِّم و الأخلاقيات التي أتفق الناس على نُبلها و قداستها ، لكي نستطيع أيضاً و بنفس الوضوح أن نرى ما يفعله التشدد و الإسراف في كل ما هو ما جميل حولنا ، الدين و حرية الفكر و التعبير و التعايش و التواصل العرقي و الثقافي و غيرها من المجالات إن شابها العنت و التعصب و إفتقدت إلى الوسطيه التي هي مركز الحكمة و الفكر و السياسة ، لم تعد في كل مكان و زمان قادرة على التناسق مع فطرة الإنسان المجبولة على الإجتماع و التأثير و التأثر ، كل ما زاد عن حده الطبيعي كانت نتائجه سلبيه و عكسية ، حتى النيل إذا زاد حد فيضانه أغرق الناس و الزرع و المال .. فيصبح نقمة بعد أن كان نعمة.

 

سفينة بَوْح
هيثم الفضل
صحيفة الجريدة


الراكوبة