Home > sudan4tech > السكوت والإذعان للمستبد لا يمنعان من ظلمه – صحيفة الراكوبة
السكوت والإذعان للمستبد لا يمنعان من ظلمه – صحيفة الراكوبة

السكوت والإذعان للمستبد لا يمنعان من ظلمه – صحيفة الراكوبة

الإستبداد هو علاقة بين طرفين: (طرف ظالم مستبد وآخر يقبل الظلم والإستبداد) والعلاقة بين الطرفين هي أن الضحية يرى من حقه أن يمارس حياته بكل حرية وأن يعبّر ويكتب ويقول ما يراه مناسبا ويذهب ويجي أينما كان ولا أحد يمنعه من ذلك .. وعندما يفعل ذلك يدرك أنه لم يرتكب أى خطأ لكنه يرى من الحكمة أن يعتذر للظالم المستبد إن لم يعجبه هذا ثم يعلن توبته عن ذنب لم يقترفه. عندما تستدعي جهة أمنية أو رئاسية ما لشخصا نتيجة لفعل لم يعجبهم في ظل نظام إستبدادي فأعلم عزيزي القارئ سيبالغ الضحية فى إذلال نفسه حتى يفلت من الظلم والعقاب وقد لا ترى ما يحدث في داخل الغرف ولا تدري مدى الإذلال الذي وصل إليه ولكنه بعدما يهدر كرامته تماما سيلقى نصيبه من الإذلال والمهانة متمثلة في وقف أي عمل لا يريده المستبد الظالم إذا ما الفائدة من إذلال نفسه ؟ وهكذا نرى أن الإذعان والتذلل لم يمنع عنه الظلم ولو أنه وقف بشجاعة أمام الظالم ليدافع عن حقه فى أن يعامل كإنسان لكان على الأقل احتفظ بكرامته ولما أصابه من شجاعته أسوأ مما أصابه بإذعانه
المقال هو إجتهاد ومحاولة لتحليل العلاقة بين المستبد وضحيته …
يعتقد الكثيرون بأن الاذعان للظلم هو قمة الحكمة والإعتذار والتذلل لصاحب السلطة وأنه خير وسيلة لاتقاء شروره..لكن إحذر أن تلتمس من الظالم المستبد الرحمة أو أن تستجداه فإنك تحرضه بذلك على أن يمضي في إذلالك … كما يعتقدوا الثورة والإعتراض على نظام الاستبداد ليس الا حماقة لن تغير الأوضاع إلى الأحسن أبدا، كما أنها كفيلة بإضاعة مستقبل كل من يقاوم الظلم واعتقاله وتعذيبه وربما قتله. كما إعتقدوا أن التعايش مع المستبد سينجيهم من ظلمه وأن سلاحه لا يحركه أبدا إلا لمن يعترض عليه وعلى سياساته أما من ينحنى ويذعن له فلن يصيبه الضرر ,تأكد يا عزيزي كلما بكيت للظالم المستبد طالبا أن ينهي إستبداده وعذابك فأعلم أنه لن يتوقف إلا عندما يذوق طعم السياط التي ضرب بها ضحاياه
نأخذ الشهيدة سارة عبد الباقي مثالا من شهداء سبتمبر التي أغتيلت بطلق ناري أمام منزلها في سبتمبر 2013 لم يكن لها أى نشاط عام، ولم تكن عضوا فى أى حركة مسلحة ولم تشترك فى مظاهرة فى حياتها.ولم تنتم إلى أي حزب سياسي معارض أو غير معارض كانت شابة سودانية مسالمة ، تحلم بأن تتحصل على الماجستير ثم الدكتورة وتتزوج وتعيش في سلام تام في وطنها أو تهاجر لتحسين وضعها أو وضع أسرتها وفي ذلك الصباح الشؤوم كانت سوف تتوجه إلى جامعتها وهي طالبة ماجستير وتعمل في إحد المستشفيات فلم ترتكب جريمة ولم تخالف القانون لكنها ما إن وقفت أمام بيتها حتى أتت إليها طلقة قاتلة ، ولم تجد من يسعفها في تلك اللحظة وظلت تنزف بقذارة حتى تحقق للذي أطلق الرصاصة ما أراد وفارقت الحياة وكالعادة بدأت البيانات المتلاحقة من وزارة الداخلية لتفسير الجريمة، كلها غير صحيحة وفلت القاتل من العقاب .. المغزى الواضح لهذه المجزرة ان الاذعان والسكوت للظالم لم يعد كافيا لحماية الإنسان من القمع. لقد قتلت الطالبة سارة بنفس الطريقة التى يتم بها قتل أي عسكري حاملا للسلاح في الحركات المسلحة التي تقاوم النظام في مناطق العمليات وكذلك قتلت بنفس الطريقة التي قتل بها الشباب المتظاهرين من أجل الحرية وإحتكوا بالعسكر إذاً لا فرق. لم يعد القمع يفرق بين المتمردين والمتظاهرين والمعتصمين وبين الجالسين على المقاهى والنائمين فى بيوتهم.والذاهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم .
ولعل ان مصير دكتورة سارة وجميع الطلبة والتلاميذ الذين ماتوا في 2013 قد يحدث لأى سوداني بل انه حدث بالفعل لمئات الآلاف من السودانيين: التلاميذ الذين غرقوا فى عبارات الموت وهم ذاهبون إلى مدارسهم في منطقة المناصير نتيجة إهمال الدولة فلم يكونوا متظاهرين ضد النظام وكذلك التلميذات في مدينة أمبدة انهارت على رؤوسهن المدارس لأنها غير مطابقة للمواصفات والذين ماتوا بسبب الفشل الكلوي وبسبب السرطانات نتيجة مواد فاسدة دخلت البلاد والذين ماتوا في حوادث الطرق نتيجة صناعتها بمواد مغشوشة من مقاولين معدومي الضمير وإستشاريين حرامية ومن ماتوا في الجزيرة بأمراض القلب والسرطانات بسبب مبيدات ومواد زراعية سامة استوردها الكبار والشبان الذين حاولوا الهروب بالبحار بعد أن ضاقت بهم أرض الوطن بما رحبت فسقطت بهم قوارب الموت وغرقوا وأكلتهم أسماك البحر ..كل هؤلاء كانوا مواطنين مسالمين تماما ولم يدر بأذهانهم قط أن يقاوموا الاستبداد والظلم وحاولوا وباستطاعتهم أن يتعايشوا مع الظلم ويتركوا الظالم في ظلمه أو علي الأقل لا يقاوموه لكنهم جميعا فقدوا حياتهم وماتوا بسبب النظام الذى خافوا من مواجهته.
وعندما يبدأ الحديث في العلن بين الناس عن الفساد وعن الظلم في الأماكن العامة وفي الأسواق وفي كل مكان بدون خوف هذه تعتبر موجة من الغضب العلنية ولها تبعاتها صحيح إنها تعود بالأساس إلى أن حياة ملايين الفقراء التى كانت صعبة أصبحت اليوم مستحيلة، لكن السبب الأهم قد أدركوا أن السكوت عن الحق والإذعان للظالم لن يحميهم من الظلم.. وقد أدركوا أخيرا من لم يمت بسيف الظالم سيموت بسبب فساده
كل الذي نعيشه ونعانيه اليوم من فساد وجهل وتكميم للأفواه وإنتشار العنصرية والإنهيار الذي وصل للحضيض في جميع مناحي الحياة والعنف المنتشر بين الناس ما هي إلا أعراض لمرض الإستبداد ولن تزول إلا بزواله . والديمقراطية هي الحلّ أما غير ذلك فهو مضيعة للجهد والوقت
ياسر عبد الكريم
[email protected]


الراكوبة

Leave a Reply