Home > sudan4tech > وداعك علي عشم الإنتظار (3-5)  – صحيفة الراكوبة
وداعك علي عشم الإنتظار (3-5)  – صحيفة الراكوبة

وداعك علي عشم الإنتظار (3-5)  – صحيفة الراكوبة

فحينما يدلف الي دكانه عبدالمنعم أحمد الشيخ ” بهلول”  بسنون عمره التي تخطت السبعين يضحك ثم يضيف مشيت مدينة “اروا “حيث يقيم بهلول مع اسرته  لقيت سبورة في ال-بيت مكتوب فيها انجليزي سالت ده شنو ؟ ردوا علي عياله دايرين نعلمه الانجليزي، امتدت ضحكته التي شاركها بهلول بابتسامته الوقورة مضيفا قلت ليهم انجليزي شنو ؟بعد شاب دخلوه الكتاب ! هكذا محال معظم  التجار السودانيين الذين وفدوا الي شرق افريقيا اتقنوا اللغات المحلية من اللوقاندا، السواحيلية و اللكبرا والزائيرى “اللنقالا” وعربي نوبي وعربي جوبا لارتباط عملهم في مجال التعامل في البن والشاي ارتبط بالسكن المحليين ، زياره عبدالكريم لمدينة اروا كانت محل احتفاء فالجميع يعرف قدره و يتوق لونسته ، حيث يشكل دكان  “حامد”ملتقي للسودانيين ، في احد النهارات طلب بهلول من ابنه الاتصال بعدالكريم للحضور  لتناول الطعام فقد تصادف ان كان بهلول قد ذبح  الماعز ، حيث لا يفضل اهل شرق افريقيا لحم الخراف بل لعشر سنون مضت كان الجمهور لا يرتاد الجزارات التي تذبح الخراف التي ظلت حكرا علي المسلمين ، تاخر عبدالكريم في الحضور فتركوا له من اللحم ما لم يشبعه ، كان بن بهلول  يودي واجب صب الماء  لغسل يديه اضاف ” يابا ما تشيل لينا  دعاء “ 

فباغته عبدالكريم يا ولدي لحمتكم دي ما بتديكم سورة الاخلاص خلي الدعاء !  

يقول خالد حبيب الله احد اصدقاء عبدالكريم، اتعلمنا منه حسن الاستقبال حتي وان كان الشخص الاخر ليس محل ترحيب، عبدالكريم كان بارا بمعارفه ليس في كمبالا وحدها حتي الكنغو لم يتواني في مدهم بالعون بل وصل الي انه يحرص علي مساعدتهم في العلاج، في رمضان 2017أو 1438هجرية امتلا دكانه بالمواد الغذائية التي يبذلها بعض رجال الاعمال السودانيين للمساعدة والتي تزاد في ذاك الشهر  ، ليقوم عبدالكريم بواجب توزيعها علي المحتاجين الذين يعرفهم ، يحرص الا ياخذ اي من اصدقائه شيئا منها ، فهو يبلغ حد الصرامة في الامر ،احد السودانيين الذين قدموا حديثا الي كمبالا يعمل باحد الشركان مر علي محله ليحيحه و يتبضع ثم يضيف يا عبدالكريم ياخ الدنيا رمضان  و بيتي فاتح للافطار   

كتر خيرك لكن احيانا بتبقي صعبة للمحتاج يصل فلو انت عاملها علي سبيل الصدقة في ميز في حي مينقو بيتلموا فيه السودانيين الافضل انك تدعم جهودهم و  لا شنو ؟ 

أحس الرجل بموضوعية حديثه فشكره  جزيلا علي وعد بالمساهمة ! 

ثم جافاني النوم طيلة ليل رحيله، ما كنت قايل نفسي بقدر ادخل دكانه تاني، الدكان كان عبد الكريم مش البيع والشراء، هكذا قالها خال جبيب الله ، وق اصاب  فقد كان محل عبالكريم  كذلك ففي الاسبوع الاول من شهر رمضان وقفت امراه في عمر الستين ملامحها جمعت السودان كله لفتتني اليها حميمية السلام، ما ان راءها عبدالكريم الا وطلب منها الانتظار  ليقوم بالاتصال ببهلول الذي نجحت مساعيه في الحصول علي مبلغ “4.000.000 مليون شلن يوغندي “من احد الخيرين اي ما يعادل حوالي “1400 دولار  امريكي” لمساعدتهاه لدفع فاتورة المستشفي واستلام جثمان حفيدها من المشرحة بعد ان غادر الحياه اثر سقوطه من مكان عال بالمنزل لم تنجح معه جهود الاطباء في اسعافه، بل امتدت الجهود لتشكل تكاليف حتي دفنه، امراه في منتصف الثلاثينات  من جنوب السودان احد زبائنه  لم تدر بخبر رحيله دلفت للمحل يابا وين ؟ ،أشار سليمان الغزالي الذي كان متواجداً الي مريم للاجابه، فما ان اخبرتها الاخيرة بان “يابا موتو” لم يكن من سبيل الا بافاقتها برش الماء البارد عليها  فقد هز خبر رحيله كل من عرفه سودانية جنوبية اخري باغتها نبأ رحيله لتدفع في اسي “يابا كان زول كويس لو ماعندك بيدينك لو القرش ناقصة بيديك، ياخ ما تمش تتغدي معانا، مراتب الاحترام التي حظي بها تكشف عن حالها عندما  ياتي فضل الكريم محمد الامين لمقابلته فهو يجسد مقولة يابا في سلوكه ، فضل الكريم  الذي بلغ العمر العقد الرابع تناصف الهوية شمالا و جنوبا ليضيف اليها مصاهرة من الكنغو فصار يتحدث عربي جوبا و عربي نوبي و اللكبرا ، الزائري الي جانب العربية و الانجليزية والفرنسية و السواحلية، في احدي اللقاءات قلت له انت تعكس قوة التنوع الذي نردده شعارا دون ان  ننحج بالكشف عنه عملياً أو حتي نموذج له و لو بين قوسين ،في  سرداق العزاء جاءت سيرة سامي إبراهيم موسي  الذي تناصف الانتماء السوداني الاريتري  الذي حرص علي الاتصال معزيا و طالباً من محدثيه تبليغ تعازيه للجميع لكن الواقع كان انه اتصل بجميع الاشخاص المشتركين بينه و الراحل . 

ضحك ثم اضاف ظروف الحرب الاهلية  و تبادل السيطرة بين القوات الحكومية و الحركة الشعبية جعلتنا في حالة لجوء بين الكنغو ويوغندا ، ثم اضاف عملت مع عبدالكريم سائقاً في بداية حياتي في ترحيل شحن البن، ضحك ثم اضاف يابا كان زول كبير  كان مدير لشركة تعمل في تصدير البن  اتخذت من مدبنة ليرا بشمال يوغندا مقراً لها ،اضاف “كان سواق عجيب ، سواق مره واحده “في إشارة إلي مهارته  ، لم يمهلني السودانيون  كانوا رواد التجارة في مجال البن والشاي،  صمت فدون انتباه كنت قد تركته يتحدث بينما غصت في استرجاع ونسة سابقه مع عبدالكريم عن دور التجار السودانيين في شرق افريقيا، فقد طلبت منه ترتيب لقاء مع عبدالرحمن الذي اكمل لي اسمه الكامل “عبدالرحمن شريف “، ردد علي مسامعي ما ذكره خالد حبيب الله عن الرجل الملقب بكسيو و هو يعني السكين في اللغة السواحيلية لقب اكتسبه حينما كان يعمل صبيا مع والده الجوار ، فلقب بذلك فقد ظلت مهمته حمل السكاكين، التحق عبدالرحمن بالعمل في مجال تجميع البن حينما ازدهرت قرية بازي الكنغولية بداها بدراجة هوائية، كان يعمل  مع الراحل الصافي محمد المصطفي الذي شجعه فاردهر التعاون ليمتلك عبدالرحمن سيارة نقل صغيرة ” بوكس “، استطاع عبدالرحمن تكوين ثروة كبيرة ليشار اليه كاحد رجال الاعمال اليوغندين المنحدرة اصولهم من اليمن امتلك المصانع و المحال التجارية بمسقط راسه مدينة اروا و العاصمة كمبالا الي جانب احد اقدم شركات النقل التي تمتلك اسطولا من الباصات عرفت بنايل كوش  تجوب الطرق المعبدة من ممبسا علي المحيط الي جوبا ” قبل ان تتوقف” مرورا بنيروبي ، علي بعد 102 كيلومترا قبل الوصول الي مدينة كمبالا  تمر بمدينة جنجا التي تمثل  بنقطة الصفر التي تلتقي فيها بحيرة فكتوريا و منابع النيل ذكر عبدالكريم عن الحفاوة التي استقبل بها عبدالرحمن حاج الصافي في مدينة كمبالا  بعد ان استقر الاخير في الخرطوم، اضاف عبدالرحمن محتفظ بالعشرة ما حصل خلي زول من السودانيين البعرفهم من زمان او عرفهم لاحقا يدفع ثمن التذكرة بل ان حوشه بحي مينقو مفتوح للافطار في رمضان . 

أمراه اخري من سودان ما قبل الانفصال ، علمت بخبر رحيله لتستقل الباص من مدينة جوبا بجنوب السودان مسافة يقطعها في 12 ساعه لتحضر الي محله لتقدم واجب العزاء فيه ، تخرج لتدلف امراه اخري تطلب من ” مريم ” بعض الاصناف كان سليمان الغزالي منكبا علي طاولة المكتب للبحث عن بعض الاشياء في ادارجها ، عندما همت بالحساب انتبهت الي انه سليمان فسالت يابا و ين ؟ سافر الخرطوم ؟  

يابا توفي  

متين ؟ قبل شهر  

سقطت حقيبة يدها  علي الارض اولاً، ثم غابت في اغماء لاصابتها بمرض السكر ، بذل الجميع جهدا لافاقتها التي تمت بعد معاناه ، توالي الاحداث تدثرت مريم بالحزن فعاب مرحها بل ظلت تلتزم الصمت اغلب الاوقات ، خبأ شغفها في تعلم العربية ،فهاهو يقطن قبالتها منذ رحيله فلا يكاد يمر يوم الا و يمر علي المحل من يفتح دفتر حزنها علي مصرعيه . 

محمد بدوي
[email protected]


الراكوبة