Home > sudan4tech > سفينة بوح – صحيفة الراكوبة

سفينة بوح – صحيفة الراكوبة

سفينة بَـــوْح – هيثم الفضل

الحِقبة الوُسطى     .. !!

على المستوى الثقافي والفكري والإبداعي هناك (حِقبةٌ وسطى) مفقوده تبدأ بنهاية الثمانينات بما ساد من (توجيه) آيدلوجي لحركة الثقافة والفكر والإبداع ، وتنتهي بنهاية العقد الأول من الألفية الثانية عندما بدا على الأفق إنفراج نسبي فيما يتعلَّق بسقف حريات التعبير المُتاحة وربما توصل شيوخ ومُنظري مشروع الإسلام السياسي في السودان إلى قناعة بأن الفنون والثقافة والفكر يصعُب (توجيهها) وإدارة دفة حِراكها خصوصاً في هذا السودان الذي يُميِّز ثقافاته وموروثاته التعدُد والإختلاف بما يفيد ثراء المصادر وفعالية مبدأ التأثير والتأثُر ، أما جيلنا ومن سبقونا فقد توقف قطار تطلعاتهم نحو التجديد والإستمتاع بطبيعية التطوَّر في مجال الفكر والثقافة والإبداع بشتى ضروبه ، فصرنا غارقين في (إجترار) الماضي  حتى يحلو لنا الحاضر وذلك عبر التشبث والتعصُب لكل ماهو قديم وعتيق طالما إنتمى إلى زماننا بغض النظر عن موازنته مع الجديد المُتاح من حيث الفائدة والجدوى ، وعلى ما أظن سيكون هذا قدرنا في التعاطي مع ما تنتجه الساحة الثقافية والفكرية والإبداعية إلى أن يقضي الله أمره فينا ، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فيما يعانيه جيل اليوم من الشباب الذين وُلدوا بعد العام 89 ، فلاهم يملكون ذخيرة واضحة المعالم وفعّالة في تأثيرها الوجداني تجاه ما كان من فكرٍ وأدب وإبداع سابق ، ولا هُم في ذات الأوان يتمتعون بمنتج فكري وثقافي وإبداعي يُعبِّر عن عالمهم وآمالهم وآلامهم ، وذلك طبعاً بسبب تلك ( الحِقبةُ الوسطى ) المذكورة آنفاً ، إذ أنها لو قُدِّر لها أن تكون موجودة ولم تعاني تدخل الدولة عبر مُخططاتها الثقافية والأدبية الموجهة ، كانت بلا شك ستسمح لجيل الرواد من المثقفين والأدباء والمبدعين في شتى مجالاتهم أن يُسلِّموا الراية لأجيال بعدهم بسلاسة و(طبيعية) بحسب ما تفرضه قوانين الكون وما جرى عليه حال الدنيا في أزمنة سابقة سحيقة ومعاصرة ، فالمبدعين الشباب ما زالوا إلى يومنا هذا يدورون حول صنم التجارب السابقة بحسب ما وسع إدراكهم الذي أيضاً يعاني من (محدودية) الإستقاء من مصادر المنتوج الثقافي والفكري والإبداعي المُتاح ، فأصبحوا (مُقلِّدين) وبعيدين كل البُعد عن تحقيق شخصياتهم ولونياتهم الفنية (المُستقلة) ، ويتسق هذا تماماً مع ضعف مقدرتهم على التفاعل مع أطروحاتنا السياسية المعاصرة ، لأن الدولة وفقاً لفقه التأصيل والتمكين (سجنَّت) تاريخنا السياسي والثقافي والإبداعي ، من أجل إفساح المجال لمشروعها الحضاري المزعوم ، فلا هي نجحت في (حشو) عقول شبابنا بمنهجها ومشروعها ، ولا هي سمحت لهم بالإستقاء الطبيعي من منتوج هذا الوطن من تاريخ سياسي وثقافي وإبداعي ، مما جعل شبابنا من الجيل الحالي (مكشوفاً) بلا حماية أمام وابل الثقافات والأفكار والفنون الأجنبية ، والتي بات الحصول عليها لا يتطلب سوى ضغطة زِر على هاتف أو ريموت .. مأساةٌ حقيقية وظلم ما بعده ظلم تعرَّض له جيل اليوم بما إقترفت أيدينا ، وبعدما فات الأوان صار موضوع حمايتهم من الإستلاب الثقافي موضوع المنابر والمؤتمرات والمنتديات .. أين كنتم يا هؤلاء حينما عبَّر عن (مُجمل ثقافة وفكر وفنون) هذه البلاد لمدة عشرين عاما أربع أو خمس فرق للإنشاد الديني وعدد إثنين أو ثلاثة من الفنانين فضلاً عن تشكيلي واحد صمَّم ورسم معظم شعارات الدولة والمؤسسات.!!


الراكوبة