صناعة الوهم:إغراق الدين بأنماط تدين أخفت ملامحه – صحيفة الراكوبة

صناعة الوهم:إغراق الدين بأنماط تدين أخفت ملامحه – صحيفة الراكوبة


عملية الخلط المتعمَّد للدين بالتدين لا يمكن اعتبارها عملية بريئة ومنزهة من الغرض والدغل والرغبة في التحكم والسيطرة على أفئدة الناس وعقولهم، لا سيما وأن القرآن ميسرٌ للذكر والتدبر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، فمن إذن الذي حاط الدين بسياجات واصطلاحات معرفية معقدة (بشرية) تتحكم في المطلق الالهي، حتى أصبح كلامهم دين (ملزام)، ولم يعد الدين فطرة بل أصبح (صنعة) لها أسرارها وطلاسمها، حولت المسلم إلى مجرد متلقي وتابع بلا عقل وبلا نظر وبلا تدبر، وأصبح متدبر القرآن يُذَم بأنه (قرآني)، وصاحب العقل يُطرد لأنه (عقلاني).

فكان الناتج تراث يحرُم نقده، يحوط الدين من كافة جوانبه، ولم يعد في مقدور بشر أن يحوز على فكرة شاملة متكاملة عن الدين، فكل ما تحتاجه هو أن تستفتي المفتي دون أن تعقل ما يفتيك به، فلا تسأل ولا تعترض فتنطرد، وأصبح دين الفطرة عصي على الفهم، لتعدد تخصصاته وجزئياته، الشيء الذي أنتج عقلية تجزيئية لا تفرق بين الجزء والكل، ولم نعد نعي موقع هذه الأجزاء من التصور العام للدين.

وبما أن (الزمن الثقافي) بحسب تعبير عابد الجابري راكدٌ عندنا، فكل قضايا المسلم من لدن عصر (الامبراطوريات الأموية والعباسية) الذي أنتج فقه الاماء والعبيد ودار الكفر ودار الاسلام تتحرك بحرية في عقل مسلم اليوم وتختلط وتشتبك مع قضايا العصر الملحَّة، ومازالت أقوال أئمة تلك العصور حاكمة على عقولنا بكل ما تحمل من اشكاليات ذات طبيعة تاريخية انتهت بوقتها، وهذا ما يبرر ويفسِّر ظهور داعش والنصرة والقاعدة بكل هدوء في عصرنا الحاضر دون أن نشعر بغرابتها، بل ونشعر بتعاطف معهم (حاضنة إجتماعية) لأنهم يحاربون الكفار الأمريكان، ويعجز الشيوخ عن نعتهم بانهم (مارقين) لأنهم ببساطه مازالوا يرفعون راية (لا إله إلا الله)، ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة.

الدين ذو طبيعة مطلقة سماوية إلهية مفارقة لكل ما هو بشري، يخاطب الناس جميعاً على كافة مستوياتهم، لا فضل فيه لعربي على أعجمي، ولا أشراف على غيرهم،  ولا صاحب فقه على عامي، فالدين المطلق هو الايمان بالله وحسن الخلق، وكله رحمة وخير للبشرية كافة، سواء كان في السودان أواليابان أوالصين أو المالديف، فهو مبادئ كبرى عابرة للزمان والمكان، ليس لها شكل اجتماعي محدد، ولا تنظيم جماعي محدد. وكل ما خالف هذا الثبات فهو بشري وليس من الدين إنما هو (تدين) غير ملزم للآخرين.

إذن التدين هو الخطوة اللاَّحقة للدين، بمعنى آخر التدين هو (الدين في طور الممارسة البشرية) عندما يمارسه جماعة من الناس في ظرف زماني ومكاني محددين، فهو دائماً يأخذ شكل الاجتماع البشري ويتلون بأنماطهم المعيشية من ملبس ومأكل ومشرب ومزاج فني وفلكلور شعبي، وبدون تدين تصبح عملية ممارسة الدين (المطلق) في الحياة غير ممكنة.

لذلك اصلاح حياة الناس لا تكون ببعث أنماط (تدين) معيشية وسلوكية قديمة، لا تصلح لزمان غير زمانها، لإنها ستكون مجرد محاولة فاشلة لحشر الحاضر في الماضي، ما يعوزنا هو المبادئ الكبرى التي تتخطى الزمان والمكان (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر)، والمنكر والعرف هما اصطلاح اجتماعي (القوانين المدنية الوضعية التي يضعها الناس لتسيير حيواتهم) في ظل المبادئ الاسلام الانسانية الكبرى.

فلا غرابة إذن أن نجد كلمة العُرف حاسمة في كثير من آي الذكر الحكيم وقد وردت بصور وأشكال عديدة جداً، بل حتى كلمة (معرفة) تنتمي لنفس الحقل الدلالي لكلمة عُرف، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)

(تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)

(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)

(وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا)

كل ذلك يتم وأده بكلمة واحدة (لا تتحدث في غير مجالك)، أصمت وأحسن الاتباع هداك الله!!!!!!

ما عاد جحر الضب يسعنا، لذلك فشت حالات التفلت والانسلاخات….. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً…

صديق النعمة الطيب…



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.