ثورة أوكتوبر المجيدة أم الثورات الشعبية السلمية في العالم – صحيفة الراكوبة

ثورة أوكتوبر المجيدة أم الثورات الشعبية السلمية في العالم – صحيفة الراكوبة


الشعب السوداني ستكون له قريبا الكلمة الأخيرة حتما…

خالد بريش

عندما نطالع تاريخ السودان الحديث منذ مرحلة استقلاله عام 1955 وحتى يومنا هذا، تستوقفنا فيه محطتان، أو حدثان من الأهمية بمكان، لا يمكن لأي دارس لتاريخ السودان والمنطقة أن يتخطاهما، أو يغض الطرف عنهما. وهما في حد ذاتهما يشكلان تفردا على المستوى العالمي والإنساني في العصر الحديث.

كان الحدث الأول في أوكتوبر عام 1964 عندما بدأت بعض الاحتجاجات، واستشهد على إثرها الطالب الخالد الذكر أحمد القرشي طه، وتفاقمت الأمور، فطلب المحامي فاروق أبو عيسى من خلال إذاعة أم درمان، وعبر نشرة أخبار الساعة العاشرة الشعب بالنزول إلى الشارع. فخرجت تظاهرات عارمة، تطورت إلى ثورة شعبية، واجه خلالها الشعب السوداني بكل فئاته، وبصدوره العارية، قوات الأمن. مما نتج عنه سقوط المجلس العسكري، وحكومة الظل التي كان يديرها. فكان وصف الشاعر محمد الفيتوري أصدق تعبير عندما قال:

زحفت مواكبنا    

فقل لصحائف المجد استعدي…!

لم يخب ظن الشاعر الفيتوري في الجماهير، التي كانت على موعد مع القدر وقيامها بـ « ثورة أوكتوبر » التي تعتبر الثورة الشعبية الأولى نوعها في المحيط العربي والإفريقي على السواء، إن كان من حيث الأسلوب، أو الأهداف. فلقد خرجت الجماهير في مسيرات حاشدة في كل مكان، وعندما جابهتها السلطة بالنار، وسقط منها شهداء، حملت الجماهير شهداءها وسارت بهم في الشوارع تهتف للسودان، وللحرية، ولعودة الجيش إلى ثكناته… وهو ما يصفه الشاعر السوداني هاشم صديق في قصيدته « الملحمة »:

وشلنا الشهدا مشينا ونهتف

وجرح النار في قلوبنا ينزف

الرصاص لن يثنينا…

الرصاص لن يثنينا…

لقد نجحت ثورة أوكتوبر، وأخافت في نفس الوقت كل القوى الاستعمارية، لأنها وضعت نصب أعينها إكمال مسيرة الاستقلال والحرية، بعدما حققت أهم هدف وهو الخروج من قبضة حكم العسكر المتناقض مع طبيعة الشعب السوداني المسالم بطبعه. في الوقت الذي كان العسكر في منطقتنا يلعبون على التناقضات الأمريكو سوفياتية لتكريس وجودهم من خلال انقلابات عسكرية. فحكموا العراق وسوريا ومصر، وهي الدول العربية التي كانت تشكل وقتها دول المحور في المنطقة. فأتت ثورة أوكتوبر كأول ثورة شعبية، لتغرد خارج السرب العسكري، ولتدخل التاريخ من أوسع أبوابه.

ومما لا شك فيه أن ثورة أوكتوبر شكلت حالة فريدة من نوعها على مستوى العالم، وصراعاته القائمة حينها. وكانت التحديات أمام السودان كبيرة جدا في ظل انقسام العالم وأنظمته بين معسكرين، شرقي تقدمي تتزعمه موسكو، وغربي إمبريالي تتزعمه أمريكا. فعاش السودان خمس سنوات من الديمقراطية، والحرية، والنمو، وذلك من نوفمبر 1964 ولغاية مايو 1969. وكانت شعارات ثورة أوكتوبر نهجا لكثير من شعوب العالم بالخروج من دائرة التجاذبات، والصراعات القائمة بين القطبين. وعندما قامت ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 والتي شدت اهتمام كل المراقبين حول العالم، كان الشعب السوداني قد سبقها، وسجل اسم بلده في السجل الذهبي للثورات الشعبية في العالم، وإن كانت الظروف والحيثيات مختلفة، وكذلك طبيعة المجتمعين، ومطالب كل مجتمع وأهدافه…

أما الحدث الثاني والذي لا يقل أهمية عن الأول، وإن كان يختلف عنه من حيث السيناريو والإخراج، فقد تمثل في الانقلاب الذي تمَّ على حكم الرئيس جعفر النميري، الذي تسلم الحكم في مايو من عام 1969، واستطاع القضاء على الحكومة المدنية التي كانت تحكم السودان حينئذ. ولكنه لم يستطع إخماد جذوة الثورة، والحلم بها الذي ظل يداعب عقول وقلوب كل السودانيين، وحتى فئة كبيرة من العسكر أنفسهم، وخصوصا مع بداية تدهور الأوضاع الاقتصادية، والتضخم الذي بلغ حدا لا يوصف، واستعار نار الحرب بين الشمال والجنوب.

ففي أواخر شهر مارس من عام 1985 سافر الرئيس النميري من أجل العلاج في الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي خرج فيه السودانيون إلى الشوارع احتجاجا على غلاء المعيشة. فجرت محاولات لقمع التظاهرات، وتفاقمت الأمور، فقرر النميري العودة للقضاء على الحراك. وبينما هو في طريق عودته إلى الخرطوم، أعلن وزير الدفاع أيامها عبد الرحمن سوار الذهب وقوف القوات المسلحة إلى جانب الشعب. فتحولت التظاهرات إلى فرحة عارمة، وتسلم سوار الذهب زمام الأمور بالاتفاق مع قادة الحراك الجماهيري، وقادة النقابات، واعدا بتسليم مقاليد الأمور في البلاد لحكومة مدنية يتم اختيارها من قبل الشعب بعد إجراء انتخابات مدنية حرة.

وهو ما قام به فعلا، موفيا بوعده، مسلما الحكم بعدها بعام إلى رئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي، ورئيس مجلس السيادة أحمد الميرغني، وذلك دون أي تباطؤ، أو امتيازات شخصية…! وسط اندهاش العالم من قائد عسكري يسلم السلطة بهدوء لحكومة مدنية منتخبة طوعا. ووفاء بوعد قطعه على نفسه، وعاهد الشعب على أساسه.

إن هذين الحدثين لم يحدثا عبر التاريخ الحديث في دول العالم الثالث عامة، والعالم العربي خاصة وأفريقيا، إلا في السودان. الذي أعطى دروسا لا تنسى في الثورات الشعبية، وأخلاقيات العسكر التي لا يعرفها حتى العالم المتحضر… ونستطيع اعتبار هذين الحدثين أساسا من الممكن البناء عليه، من أجل صياغة مشروع سياسي وطني، من أجل مستقبل السودان الذي أصبح بالنسبة لشبابه عبارة عن سراب في ظل البطالة المستفحلة، وعدم وجود خطط مستقبلية وتنموية، وتكريس سياسة التجويع التي تساهم بشكل مباشرة في هروب مجموعات كبيرة من شباب السودان عبر البحار.

وأعتقد جازما أنه حان الأوان لكي يدرك العسكر في كل بلادنا، أنه لم يعد مقبولا وجودهم على قمة الهرم والسلطة، وأن مكانهم الثكنات، وأن يتركوا السياسة والحكم للمتخصصين، والتكنوقراط، والجيل الجديد من الشباب الواعي والمتعلم… وعلى القوى والأحزاب المختلفة الاتجاهات والمشارب، ورجال السياسة أن يدركوا، أن خلافاتهم، ومناكفاتهم، وكيدهم لبعضهم… هو الذي ضيع أوطاننا، وهو الذي جعل الشعوب تكفر بهم، وبأساليبهم التي تفوح منها روائح نتنة…

وأخيرا وليس آخرا فإن ثورة أوكتوبر المجيدة، لم تخرج من عباءة الأمريكان وقوى الاستعمار التي كثيرا ما فبركت الانقلابات العسكرية عبر العالم. ولم تخرج أيضا من جيب خصم أمريكا اللدود حينها، وأعني الاتحاد السوفياتي الذي كان يرد بدوره بالمثل من خلال انقلابات مضادة. وإنما كانت أول ثورة شعبية حقيقية من كل النواحي. وهذا في حد ذاته يفتح باب الأمل أمام شعوبنا واسعا، ويدعو للتساؤل فيما إن كان النداء على شعوب المنطقة بالثورة، سيخرج قريبا مرة أخرى من سودانننا الذي ما هان يوما علينا…؟

خالد بريش

كاتب وباحث / باريس



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.