جديد المخدة – صحيفة الراكوبة


د. عبد اللطيف البوني

(1 )
بالأمس قلنا إن هناك شيئاً جديداً بدا يلوح في سماء البلاد الاقتصادي والسياسي فمجرد تقديمنا الاقتصادي على السياسي يشي بأن هناك شيئاً جديداً، فالاقتصاد أصبح هو القاطرة ولكن هذا لاينفي أن الماكينة مازالت سياسية. عندما قلنا إن هناك جديداً وعددنا مظاهره لم نقل إن هناك تحسناً قد طرأ على أوضاعنا الاقتصادية أو حتى أننا بدأنا الخروج من الأزمة الاقتصادية التي طالت واستطالت لا بل قلنا إن التدهور مازال مستمراً ولكن معدلاته هي التي قلت وهذا هو الجديد فإبطاء معدلات سرعة التدهور أمر مرحب به وخطوة للأمام. فالخطوة القادمة يجب أن تكون وقف التدهور بالوصول إلى خط صفر، ومن ثم التحرك للأمام، هذا يعني أن كل الذي استجد هو أن الأمل بدا يظهر في آخر النفق ومجرد ظهور الأمل يعني تراجع اليأس والقنوط والإحباط وهذا هو الشرط الأساسي للتطور والخروج من الأزمة.
(2 )
قبل أكثر من عامين تم فصل منصب رئيس الوزراء من رئاسة الجمهورية وأسند المنصب للسيد النائب الأول بكري حسن صالح، وتم تشكيل حكومة الوفاق الوطني استبشر الناس خيراً بأن أمراً جديداً قد أطل إذ أصبح رئيس الوزراء خاضعاً لمحاسبة البرلمان كما أن وجوهاً من أحزاب كبيرة قد دخلت التشكيلة الوزارية كالسيد مبارك الفاضل والسيد حاتم السر فكان المؤمل خروج البلاد من الدائرة الداخلية الضيقة التي كانت تسيطر عليها ولكن يبدو أن تلك الدائرة كانت متماسكة إذ استطاعت (فرملة) تلك الحكومة فكانت الميزانية الكارثية لعام 2018 فوصل الدولار أرقاماً قياسية وظهرت صفوف المحروقات والرغيف بعد غياب ربع قرن من الزمان واشتدت دائرة الحصار الخارجي خاصة العربي منه وأصبح بنك السودان بوابة تأتي منها الكتاحة والأعاصير المالية فظهر صف البحث عن النقود السودانية أي والله السودانية وهو صف جديد لم تشهد البلاد له مثيلاً من قبل. لقد أصبح من الواضح أن تلك الحكومة قد نحرت من الوريد للوريد.
(3 )
ثم جاءت الحكومة الحالية برئاسة السيد معتز موسى الذي كان تسنمه لها مفاجأة، ثم جاءت بقية التشكيلة مخيبة للآمال إذ عادت وجوه ملها الناس واعتذرت وجوه تمناها الناس ولكن استعادت الحكومة زمام المبادرة في وقت قياسي ببعض السياسات الاقتصادية المالية التي أشرنا إليها بالأمس ولكن في تقديري أن التوفيق الأكبر الذي أصاب الحكومة الجديدة هو أنها ألقت في روع الناس أنها خارج سلطة الدائرة الضيقة التي كانت تقود البلاد لمصالحها والتي استطاعت (كعبلة) حكومة الوفاق الوطني الأولى. حكومة معتز كشفت أن لها من السند السياسي ما تتخطى الدائرة (إياها) وهذا يشي بأن عهداً لا يحكم فيه أصحاب المصالح قد ظهر والتركيز على معاش الناس هو هم الحكومة ولعل هذا هو الجديد.
(4 )
إن جينا للحق يجب أن نقر أن محاولات خلق واقع جديد لم يرتبط بتشكيل الحكومات فقط فاعتراف الدولة بوجود الفساد بعد طول إنكار لا بل ابتداعها لمصطلح القطط السمان كان أمراً مفاجئاً ثم اعتراف الدولة بالترهل الدستوري والإداري بعد طول إنكار كان أمراً مفاجئاً هو الآخر ورغم أن نتائج الاعتراف كانت مخيبة للآمال ولكن قوة الهجمة الإعلامية على الفساد وظهور كل خباياه (بندورها وكشفنا دورها) أثبت أن الحكاية ليست مطلوقة وأن الأمر مدروك مدروك وإن طال الأمد، وهذا الأمر ساعد وسوف يساعد حكومة معتز كثيراً في المضي في درب الاستقامة والشفافية بغض النظر عن الذي مضي وهذا مستجد آخر في غاية الأهمية. المهم في الأمر إذا اتفقنا أ هناك جديداً فالجديد شديد وهذه فرصة يجب اغتنامها .. كيف ؟ أسألوا العنبة …



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.