Home > sudan4tech > ياحزن – صحيفة الراكوبة

ياحزن – صحيفة الراكوبة

 د. طارق الشيخ

 ياحزن

ياحزن  كنك مغير مشيتك

القلب تثقله الحياة بما تضج به من مشاهد تبقى حية برغم مرور العمر والسنوات . تثقله وتزيده صحة وقوة على مغالبة الأيام ، وتسعده بأفراح وأيام بهيجة تقلبها صفحة الذكريات ” الصافية وجميلة “خفافا وسريعا .  تضج الذكرى فرحة بالضحكات وأناس من أهل واحباب وأصدقاء ملأوا دنيانا بهجة وسعادة . تفرغ الذاكرة وتبدو شاحبة خواء حينما نعيد ذكرى أهلنا احبابنا رفاقنا وقد مضوا تاركين لنا صورا تخرج متثاقلة من الذاكرة ضاحكة متبسمة وسعيدة  .  هنا تضج النفس ويعم الحزن العقل ويثقل القلب وتدمع العين ويحزن الفؤاد . قبل أيام فقدت صديقتي وأختي الخنساء إمرأة بذات وزن نساء آل شميلة والمأذون وبوزن جدتها الحاجة نفيسة بنت محمود في قوة الشخصية .. وجرأة وقوة شخصية خالتها فاطمة بنت شيخ أحمد أبراهيم ..فيها مافيها من طيبة وحنية أهلها من كسلا ودنقلا الحفير والقطينة وبربر .

أحزن .. والشعور بالحزن يجعله دوما حالة شخصية ، ولذا كنت أحرص دوما على جعل الحزن أمر خاص لأنه لايحتمل العمومية ، فأنت تقلب في مخيلتك الصور فتبدو ملامح الأقربين ممن رحلوا وفارقوا ، وأعجب أني أراهم بابتسام وضحكات الرضا . لا تستطيع أن تخرج من دواخلك سوى الرضا بقضاء الله وقدره والتفكر في نعمة الحياة ومغزاها ولغز الموت والأبدية المحير  . تتأمل في صور جميلة وسريعا تعبر تغطيها سحابات الدمع فتختفي أطيافا وتليها أطياف . يدخل الحزن في شغاف القلب فتحس بإنقباض فالناس أمامك محض أطياف تمر معزيين وهمهمات بمشاطرتك الحزن مايخفف عنك وحشة الوحدة ومرارة الذكرى .

أنه شعور غريب حينما يعتصرك الحزن فتحس بأنك تدخل في متاهة مزعجة تنقبض النفس وتنسد أمامك الطرق . وتبحث عن سر الخلود كما بحث عنه خمبابا في ملحمة جلجامش أملا في أن يظل الأحباب معك أرواحا وحياة تمشي بين الناس . خمبابا عرف أن سر الخلود سراب وعرف قلبه الحزن حينما ضاع حلمه بأكسير الحياة والخلود ، ثم عرف مرارة الفراق .

لازلت أذكر تلك اللحظة كنا أثنين معا عند فراش المرض لصديقي الشاعر النور عثمان أبكر . فلما تيقنت زوجه الألمانية مارجريت حقيقة الفراق وسلم الشاعر الجميل الروح قامت بصمت وراحت تفجر حزنها الخاص في الممر أمام غرفته وتركته مسجى . كنت أتطلع فيها وأحس بأنها هربت بحزنها الى عالم آخر غير عالمنا . تقطع الممر جيئة وذهابا تشخص بنظرها الى السماء وأحسها تستعيد ذكرى أيام رائعات وضحكة النور المجلجلة  . إنه ألم الفراق والحزن الكظيم وفداحة الفقد الذي لايعدله حزن . مارأيت في حيات إنسانا عبر عن لحظة الفراق الأبدي كما عبرت عنه السيدة مارجريت فاستسلمت لحالة من الحزن العميق ووجهها يعانق السماء .  وحينما بلغني خبر الخنساء تذكرت الضحكة في وجهها والحنية الي تتدفق منها علي عبر الهاتف ” ماعندك جية أشوفك .. يعلم الله مشتاقة ليك شوق لاحد له ” .

ما عرفت شيئا جسد لي حالة الحزن تلك الا أبيات الشاعر العراقي مظفر النواب .. قرأتها ذات مرة فاحتفظت بها في الذاكرة لما فيها من حالة حزن خرافي يفجر ما بالقلب من ألم ووجع  :  يا حزن يا ريت اعرفك

وين تسكن

جنت اقل لك لا تجيني

وتمشي كل هاي المسافة

آنه وحدي جان اجيتك

يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك

جنّك مغير مشيتك

( بالعامية العراقية فحرف الجيم هنا يقابله حرف الكاف ..وتطابق جنك عامية أهلي في بربر  كنك مغير مشيتك  ) .

حينما أذكرها الخنساء دوما تطل علي الذاكرة بصورة جدتي نفيسة والخالة فاطمة .. فيها مافيها منهما معا .. الشخصية القوية والارادة والهيبة وجميعها مغلفة بثوب من الحنان والعاطفة . فكلما كلمتها بكت وأبكتني وتقول قاتل الله الغربة . الخالة فاطمة يوم عودتها الأخيرة الى السودان تعانقنا بصالة ترانزيت مطار الدوحة .. وبكت ثم توقفت ” هي ما قالوا لي يازميلة أوعي تبكي لمان تجي ” ثم قالت لصديقتها ورفيقتها في السفر تطلب سماحا ” ما أقدر طارق ده ود أختي ” .

عن فاطمة يطول الحديث وسأفرد له هذه الأيام في ذكراها بعضا من فرح الذاكرة بذكرى إمراة سودانية عظيمة .

قاتل الله الغربة هي حزن مقيم وروح تعيش بداخلك تخرج منك دموعا حارة صادقة وانت وحيدا حيثما اتفق ، وانت تتقلب في الفراش ليلا يغمرك الحزن على الناس والشتات والمصائر التي أوردنا لها التجريب الاسلامي في السودان .  يغمرك الحزن وانت خلف مقود السيارة فتخرج الدموع حارة فهي بعض الذكريات من السودان الذي ظل حيا لم يمت في الذاكرة . تقود السيارة فيرن الهاتف فتفقد صديقا وتضيف للذاكرة المزيد من صور ضاحكة لوالد سلم الروح ولأم انهكتها الحياة وضنكها ولصديق ذهب في الأبد السرمدي .تنقبض روحك وانت في المكتب فتخرج الصور الجميلة وانت تتذكرهم هناك كما قال الشاعر صلاح أحمد إبراهيم ” أحبابنا أهل الهوى رحلوا وماتركوا خبر ” .

وحينما أعبر حوش المأذون من الباب للباب تنعش روحي ذكرى أجداد واهل ملأوا هذا المكان حياة وصخبا جميلا وذرية صالحة . وحينما أتذكرهم جلوسا حول قهوة الصباح او شاي العصر أحس بطعم مختلف للحياة . أصبح الحوش على حد قول صديقي الراحل الخال ماضي احمد محمود مرتعا خصبا للذكريات . هنا كانت جمهورية آل شميلة التي لم تر النور .. هنا كانت أيامنا احلامنا تمشي بيننا كما تشتهى .. وهنا أفراح وأعراس وحزن وبكاء ، هنا كان للحياة طعم وحلاوة لايدانيها طعم . ذهب أحبتنا وبقيت الذكرى حية والصورة ضاحكة صاحية وجميلة . هنا كانت الحياة رجال ونساء عطروا حياتنا وجعلوا لها معنى وذهبوا لأنها سنة الحياة هم السابقون ونحن اللاحقون ..  – واقتبس هنا من فحوى لمعنى جميل من قصيدة للشاعر توفيق زياد – فأذكروهم احبتي في افراحكم وفي أعراس اولادكم  .. وأذكروهم في نضالاتكم لأجل غد جميل ، واذكروهم كلما شدا شاديكم وكلما هبت زغاريد الفرح ، أذكروهم كلما ذكر حبيب حبيب ، وحين يؤووب من غربته الحبيب ، واذكروهم في أيام أمجادكم  وفي أفراح ثورتكم بسودان جديد ..  وأقول ياحزن كني شايفك وكنك مغير مشيتك  .. واختم بقول شاعرنا صلاح :

يامنايا حومي حول الحمى واستعرضينا واستطفي

كل سمح النفس بسام العشيات الوفي

الحليم العف كالانسام روحاَ وسجايا

اريحي الوجه والكف افتراراَ وعضايا

فاذا لاقاك بالباب بشوشاَ وحفي

بضمير ككتاب الله طاهر

انشبي الاظفار في أكتافه واختطفي

وأمان الله منا يا منايا

كلما اشتقت لميمون المحيا ذي البشائر .. شرّفي

تجدينا مثلا في الناس سائر

نقهر الموت حياة ومصائر

فارقنا أحبتنا وتبقى الذكرى جميلة وحية  ولنا في الذرية الصالحة الأمل والرجاء .. وطبتم.


الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.