صدر بتوقيعها وحكم المحكمة الشرعية (2-2) – صحيفة الراكوبة


في “قبايل” ذكرى ثورة أكتوبر 1964 نجد أنه قد خضع للامتهان خلال الأيام القليلة الماضية أنفس ما تحقق لنا منها وهي مواطنة المرأة والشباب من سن الثامنة عشر. فقد طغى نازع التغيير الثوري فشمل الفيئتين بالمواطنة بغير نأمة من القوى المحافظة. فقد ألجمهم دور الشاب من تلك السن ومن الجنسين ومجلة “صوت المرأة”، منبر الاتحاد النسائي، في إشعال الثورة التي لم تكدح لها تلك القوى كدحهما. ولكنها لم تغفل. وتربصت منذ تاريخه لردهما إلى الوصاية الذكورية المحافظة. وهذه الردة القديمة عن أكتوبر هي أفضل السبل لفهم ما رأيناه من أيام من إذلال للمرأة بقانون النظام العام وغيره وامتهان للشباب متعقبين شعورهم الجذلة بالقص المنفلت. فما رأيناه من تنكيد على هذه الفئتين من الدولة وأوشابها هو رأس جبل الجليد الطافح. فتحت السواهي دواهي ذكورية بغيضة. فلقد شُق على كثير منا قبل أيام خبر قتل رجل لبنت عمه وإيذاء الأخرى لأنه وجد في زعمه صوراً لشباب في تلفوناتهما. وعليه فالدولة هنا مجرد إركان حرب لذكورية مدججة في أوساط الناس ضربتها وتيرة التغييرات المتسارعة في مجتمعنا في صميم محافظتها، وأخذت القانون بيدها.

أردت في بشائر ذكرى ثورة أكتوبر أن أقص عليكم كيف أثرت تلك الثورة الغراء على مجتمعنا تأثيراً أقنع المشيخية الدينية، التي ظننا الثورية لا تطرق بابها، بقبول أول طالبة بكلية الشريعة بجامعة الخرطوم في 1967 وبترسيم نفس تلك الفتاة قاضية شرعية لأول مرة في 1970. وتبعتها أخريات.

والفضل في هذا المكسب للمرأة، بجانب إرادة التغيير التي تجلت في ثورة أكتوبر التي اسبغت المواطنة على النساء، إلى المرحومين مولانا شيخ الجزولي (1910-1999) ومولانا نجوى فريد جعل الله سكنهما منه في عالي الجنان. فإلى هذا الجزء الأخير النعي لشيخ الجزولي الذي ذكرت له هذه المأثرة في تحرر المرأة واستحقاقها:

        جاء مولانا المرحوم للقضاء الشرعي بأمر باهر سيبقى واحدة من أبر أياديه على الإسلام والأسرة والوطن. فقد عيَّن في 1970 مولانا المرحومة نجوى كمال فريد، الطالبة “النشاز” في قسم الشريعة بجامعة الخرطوم، قاضية شرعية في وجه تحفظ جمهرة القضاة. وكانت هذه جسارة منه مساوية لجسارة مولانا نجوى نفسها. فنجوى قد تخرجت من مدرسة اليونتي الثانوية. وما كانت تُحسن لف الثوب حين التحقت بقسم الشريعة الرجالي جداً. وكانت تهوى علم النفس وأرادت أن تدرسه بالجامعة. غير أن أستاذها نبهها إلى إن علم النفس لم يكن يدرس يومها بالجامعة وحَسَّن لها أن تلتحق بقسم الشريعة لأنها أقرب العلوم إلى علم النفس لاتصالها بقضاء الأسرة [من هذا الأستاذ الرشيد؟ لله درُّه].

        وحين تخرجت مولانا نجوى عينها المرحوم الجزولي قاضية آخذاً بالمذهب الحنفي الذي يبيح قضاء المرأة. غير أنه تردد في أمر جلوسها للحكم في القضايا. فحجبها عن المحكمة. وشغلها بالبحث والرأي في فقه القضايا. وقصة مولانا نجوى تستحق أن تُروى وتُذاع. فلم يصدق أحد قرارها بالالتحاق بقسم الشريعة أو مصيرها من بعد ذلك. فمن ذلك أنه كان تعيينها في أول أبريل 1970 فكان أصدقاؤها يقولون لها إن تعيينك هذا “كذبة أبريل”. وانفتح الباب بعد ذلك للبنات يتدافعن بالمناكب إلى منصة قضاء الأسرة. حتى إنني كلما قرأت إعلانات المحاكم الشرعية في الصحف، ونظرت إلى أسماء القضاة النساء يوقعن “صدر بتوقيعي وختم المحكمة” قلت في نفسي: “هذه من بركات الشيخ الجزولي”. فهو بهذا الصنيع قد مكن للمرأة أن تستمع، من موقع القرار، إلى دراما الزوجية والوالدية المثيرة. والأخطر من ذلك شأناً أنه أتاح للصفوة من النساء أن يستمعن لفقيرات النساء الطالبات للحضانة أو النفقة أو الطلاق للضرر. وهذه مدرسة في التعليم من أسفل تشتد الحاجة إليها في وقت استأثرت الأفنديات البرجوازيات العصريات بشاغل المرأة وأصبحت أوجاعهن الحقة وغير الحقة هي أوجاع سائر النساء.

        وأيدي المرحوم الخضراء شتى. فقد رعى أبحاث الدكتورة كارولين فلوهر-لوبان، أستاذة الأنثروبولوجيا بكلية رود أيلاند بالولايات المتحدة، حين جاءت في السبعينات ترغب في دراسة التجربة السودانية في قضاء الأسرة الشرعي. وكتبت الدكتورة فلوهر-لوبان، في ظل حفاوة المرحوم وعنايته، بحثاً لم أر أميز منه في احترام التقليد الشرعي السوداني الحديث من حيث انفعاله بمستجدات وأزمات المجتمع. وهذا تقريظ مرموق للقضاء الشرعي من ماركسية مؤكدة الخطر والصفاء في مقام الدكتورة فلوهر-لوبان. وقد أهدت كتابها المعنون: “الشريعة والمجتمع في السودان” (1987) إلى مولانا المرحوم عرفاناً بفضله على الكتاب.

        سبق المرحوم إلى الدار الآخرة قبل أن يرى الكتاب مترجماً في العربية بفضل الدكتور محجوب التيجاني ومنشوراً في ألمانيا بفضل الأستاذ البشير سهل. كان سيُسعده أن يقرأ السودانيون هذا السفر في العربية ليقفوا على الطريقة المتأنية التي أخذ بها قضاة الشرع أمر الأسرة والإسلام إلى غاية طيبة برغم أنهم ظلوا يعملون في بيئة طاردة ومؤسفة وظالمة.

عبد الله علي إبراهيم
[email protected]



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.