Home > sudan4tech > غياب المشروع الوطنى و الازمة المستحكمة ، التنمية السياسية و الثورة (12-6)
غياب المشروع الوطنى و الازمة المستحكمة ، التنمية السياسية و الثورة (12-6)

غياب المشروع الوطنى و الازمة المستحكمة ، التنمية السياسية و الثورة (12-6)

مقدمة:

لقد أكملت كتابة هذه الورقة فى اغسطس 2017 ، لكنى لم انشرها كسلسلة مقالات ، بل قدمتها فى سبيل نشر المعرفة والوعى وسط الشباب والمهتمين كمحاضرات  بالفيديو عن طريق البث الحى المباشر من خلال وسيلة التواصل الاجتماعى ( الفيسبوك) ، وكنت قد قدمت المحاضرة الاولى يوم 6 سبتمبر 2017 ثم تلتها سلسة الحلقات.

 

بين الانتفاضه و الثورة هل هو خلط ام ارتباك مفاهيم ؟

حول مصطلح الثورة :

يعرف عدد كبير من الكتاب و المحللين السياسيين و الناشطين السودانيين، انتفاضه اكتوبر بالثورة ، خاصة  الديمقراطيين واليساريين من جيل اكتوبر اولئك الذين ساهموا فى صناعتها او عايشوا احداثها ، (الاحظ هذا الخلط والارتباك تجدد مرة اخرى فى تعريف انتفاضة سبتمبر 2013 ، فتجد القوى السياسية تعرفها حينا بالهبة وحينا أخر بالانتفاضة ويعرفها البعض بالثورة ) وعلى الرغم من حرص الديمقراطيين و اليساريين السودانيين على ضبط المصطلحات و الالتزام بمدلولاتها مقارنة بغيرهم من القوى ، لكنهم يتعاملون بعدم واقعية غريبة ،مع موضوع اكتوبر حيث يغيب عليهم ان مصطلح ثورة هو الانتاج المعرفى و التحليلى لمفهوم ثورة ، والمفاهيم توجد فى حقل الفكر ، وللماركسية مثلا تصور واضح لمفهوم الثورة فكيف اذا حدث هذا الخلط؟

الثورة كمصطلح علمي هي عملية تؤدي الى نقلة نوعية في تحسين حياة البشر. فاختراع القنبلة الذرية ليست ثورة و لكن اكتشاف البنسلين و المضادات الحيوية كانت ثورة في الطب. و اذا طبقنا ذلك على علم الاجتماع فان اي عمل يؤدي الى تحسين حياة المجتمع بشكل عام وجذري و يجعله اكثر انسجاما و تطورا و يرفع مستوى الصحة العامة و الرفاهية و السعادة لكل افراد المجتمع هو ثورة.

ان هذا يدعونا الى طرح سؤال اخر الان وهو: ما هو العمل الذي يؤدي الى تحسين حياة المجتمع بشكل عام و يجعله اكثر انسجاما و تطورا و يرفع مستوى الصحة و الرفاهية و السعادة لكل افراد المجتمع؟

 

استنادا الى ذلك فاننا لكي تكون لدينا ثورة علينا ان نبدأ من النهاية. اي من الاشياء التي نريد الوصول اليها و ان يكون لدينا تصور عن شكل حياتنا بعد الثورة و طريقة تنظيم و ادارة المجتمع بما يحقق هذه الاهداف التي نضعها صوب اعيننا.

العلماء الذين اكتشفوا البنسلين و اخترعوا المحراث او الالة البخارية كانت امامهم اهداف واضحة عملوا لاجلها و لذلك حققوا نجاحات ثورية. و المهندس الذي يريد بناء منزل يضع خطة مسبقة و لديه تصور واضح عن النتائج و اي خلل في الحسابات يؤدي الى انهيار المبنى. الامر نفسه ينطبق على الثورة و حيث ان الثورة بدات منذ اكتشاف العقار الاول للبنسلين و المحراث الاول و الالة البخارية الاولى فان الثورة الاجتماعية لا تبدأ في الشارع بل تبدأ منذ اللحظة التي تكون لديك فكرة كاملة عن كيفية اقامة مجتمع افضل. و يكون عملك اليومي لاحلال ذلك و جعله واقعا و كل الوسائل التي تستخدمها للقيام بهذا التحول عبارة عن فصول مختلفة للثورة. ان نشر الوعي و المعرفة حول المستقبل هو ثورة في الوعي ، تكوين لجان الانتفاضة فى الاحياء خطوة مهمة فى اتجاه الثورة و الخروج الى الميادين في جموع صغيرة او كبيرة لدفع التغيير عبر الاعتصام السلمي و النضال المدني هو ايضا خطوات هامة فى اتجاه  الثورة.

الثورة الاجتماعية عبارة عن كل ما تقوم به من اعمال يصب في مسار التغيير منذ اليوم الاول حتى اليوم الاخير ( التراكم). انها عملية اجتماعية شاملة للتغيير على جميع الاصعدة اهم فصولها اعداد الجماهير لاقامة هذه التحولات الاجتماعية. و هي قطعا لا علاقة لها بالترويج للغضب و القصاص عبر جموع غاضبة تعرف اسماء اعدائها و كل شئ عن صناعة المولوتوف و لا تعرف اي شئ عن الزراعة و الصناعة و كيفية اقامة و ادارة مجتمع انساني مزدهر خالي من الاستبداد و الظلم. ان قوى الامر الواقع هي في الحقيقة القوى التي تدعو الى ثورات عمياء و تدفع بالمجتمعات الى الشوارع باي ثمن لاشعال دوامات العنف و هذه القوى لا تستطيع سوى تدمير ما هو قائم في افضل الاحوال و ادخال المجتمعات في فوضى.

ان الثورة الحقيقية هي الثورة الاجتماعية التي ترفض الواقع الماثل المتردى  المعاش  وتطرح تصورا كاملا و شاملا للمستقبل المزدهر و تعمل لاجل تحقيقه ( وفق مشروع وطنى متفق عليه من قبل قوى التغيير ،  يعالج  جزور المشاكل ويضع خطط و حلول للقضايا الوطنية العالقة  ).

مُصطلح ثورة عموما يعنى عملية تغيير جذرية شاملة تهدم ماكان قائماً من نُظم حُكم سياسية وعلاقات إقتصادية ومُسلمات أيدولوجية ووشائج إجتماعية ومرجعية ثقافية، وتستبدلها برؤي جديدة وأنساق جديدة.

أن المعنى المركزي للثورة ، عند كارل ماركس يتلخص في: هدم المجتمع القائم القديم و اسقاط البرجوازية و تحرير البروليتارية.

لا يجمع علماء الاجتماع السياسى حول ماهية تعريف الثورة ، ذلك لانه لاتوجد احكاما مطلقه فى مجال العلوم الاجتماعيه، لكنهم يلتقون فى نقاط اساسية يمكن ان تشكل تعريفا اجماعيا للثورة وتلك النقاط هى : انها تغيير مفاجئ، سريع ، عميق الاثر فى الكيان الاجتماعى ، التغيير الذى يحطم استمرارية الاوضاع الراهنة فى المجتمع.

عرف البروفسور “هاري ايكشتاين” الثورة في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها “محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة”. كما يوصف عالم الاجتماع “هربرت بلومر” الثورة بأنها تسعى لهدم و إعادة بناء وتنظيم النظام الاجتماعي كله من جديد. ويرى كارل مانهايم أن الثورة عمل واعى مقصود وإن كانت بعض عوامل هذا العمل الاجتماعي لاشعورية. ولذا فهو يؤكد أن الثورة تعني فيما تعنيه توقع حدوث تحطم في الكيان الاجتماعي القائم وفي التنظيم الاجتماعي الحادث القائم. باختصار فإن الثورة هى ردود أفعال الأفراد والجماعات على الأحوال الراهنة غير المرضيه في حياتهم الاجتماعية عامة، على أن تنتظم هذه الردود في عمليات السلوك الجمعي.

تعرف موسوعة علم الاجتماع للثورة ( تأليف جوردون مارشال)،  بأنها:”التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريا وجوهريا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجي.

ويعرف كرين برنتون الثورة في كتابه “تشريح الثورة” بقوله “إنها عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيان اجتماعي إلى بنيان اجتماعي آخر.

وعرفها “هاري ايكشتاين” في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها “محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة”. ويرى “بيتر أمان” أن الثورة هي “انكسار مؤقت أو طويل الأمد لاحتكار الدولة للسلطة يكون مصحوبا بانخفاض الطاعة

أما “يوري كرازين” فينظر لها بمنظار الأدبيات الماركسية في تحليل التطور الاجتماعي ويقول “إن معنى الثورة الاجتماعية ووظيفتها لا يمكن فهمها إلا حينما ننظر إلى تاريخ المجتمع على حقيقته كسلسلة متصلة من التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية، والثورة شكل من أشكال الانتقال من تشكيل إلى آخر، كما أنها قفزة من التشكيل الاقتصادي والاجتماعي البالي إلى تشكيل أكثر تقدما، تكون الخاصية المميزة السائدة له ومضمونه السياسي هو انتقال السلطة إلى الطبقات الثورية.( يوري كرازين، علم الثورة في النظرية الماركسية، (ترجمة سمير كرم)، بيروت: دار الطليعة).

 

الثورة أداة تطور تاريخي للمجتمعات الإنسانية، فهي حد فاصل بين النظام القديم والجديد، تحدث تغييرا جذريا للبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي، ويستهدف هذا التغيير إفراز منظومة تجسد مطالب الثوار وتحققها.

يستخدم المصطلح للتعبير عن تغييرات جذرية في مجالات غير سياسية كالعلم والفن والثقافة لأن الثورة تعني التغيير ، واستخدم مفهوم الثورة بالمعنى السياسي في أواخر القرون الوسطى ، كما يستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة للتغييرات الجذرية والمفاجئة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسي.

خصائص مفهوم الثورة:

إن اغلب الثورات تكاد تجتمع على جملة من الخصائص تميز العمل الثوري عن غيره منها.

ــ الثورة تمثل قطاعاً أكبر من المجتمع ضد فئة أصغر مستحوذة على القوة السياسية والاقتصادية.

ــ تقوم الثورة على الحلول الجذرية وترفض حلول الإصلاح لأنها في الأصل تغيير راديكالي يقوم ويرتكز على راديكالية المطالب.

ــ التغيير الناجم عن الثورة يكون سريع ومفاجئ، وسريع الانتشار بين قطاعات الجماهير.

ــ إن تغيير الثورة يشمل كذلك نسق القيم والمعتقدات بما يتلاءم والمرحلة الجديدة.

ــ الثورة تمثل عملية تغيير اجتماعي وسياسي.

ــ إن الثورة تترتكز على أسس جديدة ومغايرة للنظام القديم لترسيم دعائم بناء جديد على قواعد جديدة.

ــ إن الثورة تكررية وسريعة الانتقال بين المجتمعات وعبر الدول.

 

نمطين أساسيين للثورات:

 

النمط الأول لا يؤدي لأي تغييرات سياسية واجتماعية مباشرة، ولكنَّه يُحقِّق بشكل تراكمي امكانية انتقال المجتمع من بنية اقتصادية سياسية اجتماعية إلى بنية أخرى، حيث يشمل التغيير جزءاً من المجتمع، أو حقلاً من حقول المعرفة فيه، مثل الثورة العلمية، والثورة الثقافية، والثورة الصناعية التي برزت في القرن الثامن عشر، والتي حملت معها العوامل والمرتكزات التي أدت إلى الثورات التي شهدتها القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر.

 

النمط الثاني يؤدي إلى تغيير جذري شامل في البنية السياسية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع كافة، ويحدث تغييراً جذرياً للنظام القديم، واستبداله بآخر جديد بمؤسسات جديدة، ويوصف هذا النمط الثوري بـإحداث قفزة نوعية للمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدُّماً وتطوراً. الثورة هي بمثابة حركة شعبية وتلقائية لتغيير الأوضاع في المجتمعات، وهذا النوع بدوره ينقسم إلى ثلاث فئات

 

هكذا نرى انه يصبح من الخلط المفاهيمى و التخبط الفكرى اطلاق مصطلح ثورة على الانتفاضات التى فشلت في إحداث تغيير حقيقي في بُنية المُجتمع الاجتماعية و البنية السياسية و فى مناهج تنميته، حتى وإن نجحت في إسقاط نظُم الحُكم السابقة لها وتغيير القيادات الحاكمة.

عبدالغفار سعيد
صحفى وباحث سودانى

 


الراكوبة