أكتوبر فتنة طهروا أفواهكم منها – صحيفة الراكوبة

أكتوبر فتنة طهروا أفواهكم منها – صحيفة الراكوبة


كتب السيد احمد محمد شاموق ينعى لؤمنا في التنكر لذكري ومغازي ثورة أكتوبر 1964. كتب عن ذلك مرتين يفصل بينهما أكثر من ثلث قرن. وأوجع شاموق في كليهما وأفجع. كتب في كتابه “الثورة الظافرة” الصادر عام 1968قائلاً إن الثورة قد اضحت يتيماً بلا راع. وعاد يقول في 2001 أنه لم يبق منها ما يؤبه به إلا بعض الأقاويل والتساؤلات.

وجاء الدكتور النور حمد بجديد عن الثورة في مقال نشره ضمن “خمسون عماً على ثورة أكتوبر 1964-2014) الذي حرره حيدر إبراهيم وآخرون وأعاد نشر أكثر أفكاره في النت منذ أيام. فمن رأيه أن ثورة أكتوبر فتنة. فلم تحقق من شعاراتها عن التحول الجذري للمجتمع شيئاً بعد إسقاط النظام العسكري. وما زادت من أنها أججت الصراع بين الحداثيين والتقليديين تأجيجاً بغير نظر ولا تدبير. فأفزعت القوى التقليدية ببرنامجها الراديكالي فبادروا بالقضاء عليها في مهدها ب”النظام البرلماني الأعرج” في 1965. وتلك في زعمه إعادة لعقارب الساعة للوراء قادنا في المحصلة النهائية لوصول الإسلاميين للحكم. وعليه فأكتوبر، في قول النور علامة بارزة في مسيرة انحدار الوطن.

وساء النور أن أكتوبر ما تزال، وهي العاهة السياسية كما يراها، صنماً يتعبده الناس”. وخرج بمقاله هذا لكي يهد الصنم على رؤوسنا. وزاد: “”إن ثورة أكتوبر تأيقنتiconized وتصنّمت idolized مما جعلها تقبع إلى حد كبير في حرز مقدس خارج دائرة المساءلة النقدية”. وأراد النور بمقاله ردها إلى هذه الدائرة بإخراجها من سماوات التقديس “ومن ثم نزع سرابيل التمجيد المحض عنها ووضعها على مائدة التشريح”.

ولا غضاضة بالطبع في نقد خبرتنا التاريخية. فمتى ما تأيقنت خبرة منه وتصنمت أوردتنا موارد التهلكة. بل في النهوض بمثل ما عزم عليه النور أجر فكري ووطني عظيم. غير أن النور الخارج لمنازلة أكتوبر الأيقونة لم يعد العدة البحثية لهدم الصنم. وجاء إلى هذه المهمة الكأداء بالقريحة كما هي عادته. فلم ينظر في مقاله، الذي رتبه لزلزلتنا عن أكتوبر بالحجة، إلى سوى كتابين أحدهما للأكاديمي الإنجليزي تيم نبلوك (1987) والآخر لمحمد سعيد القدال عن تاريخ الحزب الشيوعي انشغلا بأكتوبر في سياق التاريخ السياسي للسودان. وهما بعد مصدران ثانويان. فلم يتفق للنور النظر في أي من المصادر الأولية عن الثورة من مثل صحف فترتها، ويوميات الأمريكي كليف تومسن، المحاضر بجامعة الخرطوم في 1964، عنها التي ترجمها بدر الدين الهاشمي. والأدهى أنه  لم ينظر في أدب الحزب الشيوعي الذي علق فتنة أكتوبر على جنبه. وهي مصادر أولية لا مهرب منها. ف”ثورة شعب” (1965) جمع كل وثائق الحزب خلال فترة حكم عبود، أو عصابة 17 نوفمبر كما سميناها. كما حوى “الماركسية وقضايا الثورة السودانية”، تقرير مؤتمر الحزب الشيوعي الرابع (1967) تقييم الحزب للثورة. ولم يطرأ له بالطبع الاطلاع على صحف الحزب الصادرة بعد الثورة مثل “الميدان” و”الضياء” و”اخبار الأسبوع”. بل لم يستعن بمصادر ثانوية دانية مثل كتاب شاموق “الثورة الظافرة” وكتابي “ربيع ثورة أكتوبر”. ولم يشغفه صدور كتاب دبليو ج بيريدج “الهبات المدنية في السودان الحديث: ربيع السودان في 1964 و1985” (2015). وذكرتني عزيمة النور أن يزلزل أكتوبر الصنم من عروقها وترخصه في الإحاطة بظاهرتها قول الشاعر:

ألا أيها النوام من نومكم هبوا   ألا هل يقتل الرجل الحب؟

وهو مضرب المثل في الإنذار يعقبه لين.

لو نظر النور في ما يجب أن ينظر فيه الكاتب من مصادر أولية و ثانوية لما أعاد أقوال عن ثورة أكتوبر لا تصح جزافاً عند كاتب مثله تكبد مهمة هدم صنمها. وأسوق هنا بعضها:

قال النور إن عبود ومجلسه العسكري الممسكين بدفة الحكم حينها، “كانوا رجالًا عقلاء، وفضلاء، فقد تجاوبوا مع الغضب الشعبي، وانحنوا للضغوط المتزايدة، الذي وصلت حد الاضراب السياسي، فقد آثروا التنازل عن السلطة لحكومةٍ انتقاليةٍ”. ولو قرأ النور يوميات تومسون لما ردد هذه الحكاية المهيضة عن الطيب صالح وآخرين حتى أنني وصفتها بأنها أبيخ ما كتب الطيب. فظل عبود يقاوم تسليم الحكم حتى دخل عليه ضباط موفدون من اجتماع من نظرائهم مؤيدين للثورة بحامية الخرطوم وقد نشروا قواتهم حول القصر. فانحنى الجنرال وقرأ بيانهم بالتنازل الذي جاؤوا به غليه. روى الواقعة كليف تومسون بدرامية عالية عن شهود عيان وأكتوبر ما تزل حارة.

د. النور حمد

أخذ النور على الشيوعيين أنهم نادوا بالتطهير في سياق برنامجهم الراديكالي الذي أرهب الأحزاب التقليدية فتربصت بأكتوبر وقضت عليها. وفصّل هذا النقد للشيوعيين في مقال أسبق له ضمن مقالا كتاب “هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي؟” حرره صديق الزيلعي في مناسبة سبعينية الحزب الشيوعي. وقال فيه إنهم مارسوا التطهير بطرد من وصوفهم من الرجعيين من الخدمة العامة بسيطرتهم على جبهة الهيئات. ولو قرأ النور سيرة التطهير في أكتوبر في صحف الفترة لرأى أنها، خلافاً لتطهير القوائم المسيسة في دولة النميري والبشير، احتكمت إلى لجان تحقيق ترفع ما توصلت إليه إلى مجلس الوزراء إلا في حالات كان المطهر ملتبساً بالنظام المباد التباساً رآه الناس بالعين المجردة لسنوات مثل مولانا أبو رنات. وروى شوقي ملاسي في “أوراق سودانية” عن تجربته في التحقيق ضمن لجنة مع عبد الرحمن مختار صاحب جريدة الصحافة. بل برأت لجان التحقيق في الفساد المقبول الأمين الحاج عضو المجلس العسكري من تهمة ما. الثورة رحمة والانقلاب مفسدة.

ونعرض في مقال قادم لاتهامه لحزبنا أنه كان ماركسياً لينيناً تأذت الثورة من راديكاليته فصارت فتنة.

 

 

عبد الله علي إبراهيم
[email protected]



الراكوبة

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.