Home > sudan4tech > أخبار السودان لحظة بلحظة
أخبار السودان لحظة بلحظة

أخبار السودان لحظة بلحظة

لم ينتظر المجتمع المدني في منطقة المَلَمْ بدارفور، برنامج الحكومة للعودة الطوعية لأهالي القرى التي دمرتها الحرب، ونفذ المواطنون هناك برنامجاً للعودة بمبادرة من منظمة “الملم للسلام والتنمية دارفور” وأعادوا مواطني كيلا وتربا وأم داشو وشاواية ومقبولة، لديارهم التي هجروها منذ 15 عاما.

تقع مدينة المَلَمْ في الجزء الشمالي لولاية جنوب دارفور، وتأتي أهميتها لكونها من أقدم المناطق في شرق جبل مرة. وهي مهد حاكم دارفور السلطان علي دينار الذي ولد وترعرع في ربوعها ومنها أطلق مشروعه لإعادة سلطنة دارفور بعد سقوطها في معركة منواشي القريبة من المَلَمْ. وهي إحدى الحواضر الكبيرة التي نشأت في منطقة شرق جبل مرة في عهد سلطنة دارفور الإسلامية، وتجمعت فيها مكونات قبلية متنوعة، عاشت وانصهرت في تلك المنطقة لعشرات القرون. ومدينة المَلَمْ عبارة عن وحدة إدارية شكلت خريطة إثنية مصغرة لكل سكان دارفور من مختلف القبائل والألوان الأثنية الأخرى من السودان القديم، التي وجدت في المنطقة مستقراً وملاذاً آمناً وبوتقة للانصهار. فمدلول اسمها بلغة الفور يشير إلى معنى “وصلنا أو جئنا” كما لو طاب المقام في جنة في الأرض.

منذ إندلاع الحرب في دارفور عام 2003 هجر المواطنون قراهم والتحقوا بمعسكرات النازحين واللاجئين، وتفرقت الأسر الممتدة داخل وخارج السودان في دولة تشاد وغيرها، وتوقف الإنتاج الزراعي والحيواني في مناطق غنية بالموارد.

ويرسم الإعلامي لقمان أحمد، صورة مشهدية لبداية الأمل لعودة الروح، وهي يلتقي بطفلين في الأرض الجدباء التي دمرتها الحرب: “صحيح جايين تعمروا الدار” هكذا حياني طفل وشقيقته يرعيان إِبلا داخل قرية تربا إحدى أجنحة قرية الملم والتي أحرقتها الحرب عام 2003. قلت لهما “نعم بدأنا تعميرها اليوم وسيعود إليها أهلها”. سألني “حتبنوا مدرسة؟” قلت له نعم فقال لي مترجيا “أنا وأختي دايرين نقرأوا فيها” فوعدته بأن يكونا من تلاميذها إذا لم يرتحلا عن محيط قرية تربا حسب حركة وترحال ذويه”.

منذ عام 2011 اتبع أبناء الملم منهجا زاوج بين السلام والتنمية لتحرير المجتمع المحلي من أسر الحرب. يقول لقمان: “ينبغي لمفهوم التنمية أن يتجاوز بناء الحجر إلى بناء الإنسان” تلك عبارة ظل يرددها ضيفنا محمد الأوسطي وزميله عبد الله سعيد، ونحن نقف على مواقع المؤسسات التعليمية والصحية والمائية والزراعية في قرانا التي نزمع تحويلها إلى حواضر أو مدن صغيرة تتكامل فيها الخدمات مع تنمية اقتصادية تطور الإنسان وتحوله إلى منتج وصولا لمرحلة الكفاية ثم الازدهار في المحليات الشمالية لولاية جنوب دارفور.

“عودة الروح”

كيف يستطيع أهالي المنطقة إعادة تعميرها في بلد يعاني من تدهور اقتصادي مستمر وتآكل للبنية التحتية حتى في العاصمة الخرطوم؟ اجتهد أبناء المنطقة الموجودين خارج السودان في الحصول على تمويل لإعادة تعمير المنطقة وكللت هذه الجهود بالنجاح بعد موافقة البنك الإسلامي للتنمية بدفع التكلفة عقب مبادرة جادة من منظمة الملم للسلام والتنمية دارفور. ويحكي الطيب محمد عبد الرسول أحد الداعمين الأساسيين لفكرة “عودة الروح” ما بذلوه للحصول على هذه المنحة ويقول “عكفنا وعلى مدى ثلاث سنوات تقريباً في عمل مضنٍ ودؤوب ومتابعة حثيثة أسفرت عن اعتماد البنك للتمويل اللازم لتنفيذ مشروعات إعمار قرى الملم وما حولها بمبلغ في حدود الـ 63,3 مليون دولار على ضوء الدراسات التي رفعناها لإدارة صندوق (فاعل خير) التابع للبنك والتي بطبيعة الحال خضعت للفحص والتدقيق والنقاشات المستفيضة خلال عدة جولات لاستيفاء المعايير العالية المعتمدة لدى البنك.

لم يكتف البنك بالتقرير النظري، بل كلّف بعثة من موظفيه عام 2017 لتقصي الحقائق على الأرض في دارفور وكان في رفقتها لقمان أحمد، رئيس المنظمة ومكاوي عبد الرحمن عضو المنظمة وذلك على ضوء الدراسات المُودعة لدى البنك وتزامنت الزيارة مع العودة الطوعية لسكان قرية تربه، والتي سعت المنظمة لترتيب عودة سكانها ضمن الخطة الموضوعة لعودة العديد من القرى حول الملم.

ويضيف: “في السياق لاستكمال الأمور الإجرائية للبدء بتنفيذ هذه المشروعات جاءت الاتفاقية التي وقعها وزير المالية السوداني مع مجموعة البنك الإسلامي للتنمية على هامش اجتماعات مجلس محافظي البنك الذي عُقدَ في تونس خلال الفترة من الأول إلى الخامس من نيسان/أبريل الماضي ليقوم البنك وبصورة مباشرة بإدارة وتنفيذ هذه المشروعات”.

يؤمن القائمون على هذه المبادرة بضرورة أن يصنع السلام الذين تضرروا من الحرب بأنفسهم، ويقول لقمان أحمد: “صنع أهلنا بأيديهم السلام كقواعد فعادت قرانا وعادت الروح وتستعد قرانا الآن لتحقيق نهضة تنموية كبرى ينجزها أهلنا صناع السلام أنفسهم”.

وكانت نهاية العام الماضي حدا فاصلا بين حياة المعسكرات والعودة إلى أرض الأجداد يضيف لقمان: “قضيت الساعات الأخيرة من2017 أتجول بين قرى الملم وكيلا وأم داشو وأبو حمرة، ووجدنا مجتمعاتنا مستعدة للقيام بواجبها للتحول إلى حواضر صغيرة تضاهي كبريات المدن من حيث توفر الخدمات وبناء الإنسان”.

وقبيل نهاية العام بأيام استقر أهل منطقة تربا. ويصف لقمان أحمد ذلك المشهد قائلا: “وفرنا لهم معينات قليلة فضربوا الخيام واستدعوا فطرتهم النقية يعمرون بيوت الحجارة التي أحالتها الحرب إلى أطلال، ولعب على أرضها الطاهرة أطفال ولدوا في معسكرات النزوح ولكن جيناتهم ظلت محفورة في تربا منذ الأزل فألفوا المكان منذ وطأتها أقدامهم في العشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي، ورقصت كل كائنات القرية رقصة الفرنقبيا”.

سبقت الجهود المنظمة للعودة للطوعية، جهود متفرقة مدعومة من الأهالي أنفسهم وبعض أبناء المنطقة القادرين على العطاء، استمرت عمليات تأسيس الحياة في قرية كيلا التي عاد سكانها في كانون الأول/ديسمبر 2016 وكذا الحال في قرية تربا التي عاد أهلها نهاية 2017. وقد ساهم الطيب محمد في تحمل نفقات الترحيل والإعاشة بجانب إسهامه في الإيواء.

الدارفورية في المقدمة

كانت مساهمة المرأة كبيرة في كل مراحل العودة الطوعية، ومن المعروف أن الدارفورية مساهم أساسي في عمليات الإنتاج الزراعي والحيواني وغيرها وهناك نماذج قدمت عطاء كبيرا ومنهن بيضة يعقوب، التي تم تكريمها كشخصية عام 2016 في مجتمع الملم عبر الأثر الإيجابي الذي ظلت تقوم به داخل المجتمع القروي. وحسب لقمان فقد واصلت الدور الذي تقوده نساء القرية للترحيب بسكان قريتي مقبولة وشاراية الذين عادوا إلى أرضهم من معسكرات النازحين.

ونسبة لأهمية النساء في مجتمع دارفور تم في أيلول/سبتمبر الماضي تأسيس بنك “الميارم” جمع ميرم، وهو لقب تعظيم للمرأة بدارفور. في ذلك الْيَوْمَ وتحت ظل شجرة حراز أطلقت منظمة الملم دارفور للسلام والتنمية مشروع بنك الميارم ودفعت شركة زين للهاتف السيار رأس المال اللازم لتأسيس البنك.

هذا المشروع عبارة عن صندوق تمويل يتيح لنساء الملم فرادى وجماعات تمويلا يمكنهن من مزاولة أنشطتهن الاستثمارية في شتى المجالات بهدف تمكين المرأة اقتصاديا للتغلب على تحديات المعيشة ومواصلة الدور الرائد الذي قمن به عبر مشروع سفيرات السلام الذي تأسس عام 2015.

جهود التعمير والبناء لم تقتصر على القرى المذكورة في محلية الملم، بل امتدت لتشمل نشر التجربة عبر مؤتمر عقد أيلول/سبتمبر الماضي، ولمدى يومين كاملين للتعايش السلمي وتعزيز السلام ومعالجة تحديات ما بعد العودة في حدث تجاوز حدود القرية الصغيرة ليشمل إقليم دارفور. جمع الموتمر أصحاب المصلحة من العائدين وفئات المجتمع المدني والأهلي.

يقول لقمان أحمد: “لقد شكل المؤتمر الذي نظمته الملم دارفور للسلام والتنمية، بتمويل من الصندوق الوطني الأمريكي للديمقراطية، نموذجا رائعا لإسهام قوى المجتمع المدني والأهلي في صنع سلام ينبع من القواعد أصحاب المصلحة، واكتمل المشهد بمشاركة الجانب الحكومي المعني بتطبيق التوصيات.

العودة الطوعية لقرى دارفور ساهمت فيها جهات عديدة ومواصلة للشراكة الفاعلة مع منظمة الملم دارفور للسلام والتنمية تمكنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من إكمال بئر “كيلا” إحدى مصادر المياه في مشروع مياه القرية.

ويأتي المشروع في إطار ترجمة أهداف منظمة الملم دارفور للسلام والتنمية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على حد سواء. ففي شباط/فبراير 2017 قادت قرية كيلا مشروع العودة في محلية الملم كأول قرية يعود بعض أهلها من معسكرات النازحين ثم تبعتها قرى تربا ومقبولة وشاواية.

عودة الأمان

ويعكس لقمان أحمد صورة معبرة عندما يؤكد عودة الأمن والأمان لربوع تلك المناطق عندما وجد طفلا لوحده في العراء ويقول: “ألا تزال الروح مستقرة في جسد هذا الطفل؟ هل هو على قيد الحياة؟ تساءلت مندهشا فأجابني مرافقونا من أهالي قرية تربا بضحكة عالية ثم قالوا تحسس جسده ستجده شبعانا. وضعت يدي على صدره ثم يده فوجدته يتنفس وحمدت الله فقد أمن الطفل ونام لا يبالي غياب أمه التي ذهبت إلى سوق بلى، وقد تعود إليه بحلوى وقد يعود إليه أبوه بخيرات “الدرت” بعد يوم عمل شاق في زرع أنبت خيرات وفيرة لأول مرة منذ حرب دارفور عام 2003. ذلك مشهد لا أنساه في رحلتنا الخريفية إلى أهلنا العائدين في محلية الملم والمناطق المجاورة لها”.

تبقى تجربة “عودة الروح” نموذجاً لعمل منظمات المجتمع المدني في دارفور ضمن برنامج العودة الطوعية وحسب وكالة الأنباء السودانية فقد أكد تاج الدين ابراهيم مفوض العودة الطوعية وإعادة التوطين بولايات دارفور أن هناك 739 قرية للعودة الطوعية للنازحين واللاجئين في جميع ولايات دارفور، مبيناً بأن هناك 273800 أسرة نازحة عادت إلى تلك القرى وهناك 31009 أسرة لاجئة عادت إلى قراها من خارج السودان.

القدس العربي


الراكوبة

Leave a Reply