إلى أين نحن ذاهبون …؟!! – صحيفة الراكوبة


سفينة بَوْح

من أراد أن يطلع على ما آل عليه حال العباد ، من قلة الحيلة في السودان و إستشراء غول الغلاء و إنتشار البطالة و عجز معظم الناس عن تحقيق ما يُعد ضرورة ، فلينظر إلى حالة التردي العام في العلاقات الإنسانية ، التي كانت بلادنا مضرب المثل في متانتها و إنتشارها ، فالمحاكم باتت تعجُ بالخصومات بين الأخوان حول المواريث ، و في زمان سابق كان الإخوة يتسابقون للتنازل عن حقوقهم الشرعية لصالح من هو في ضيق و حوجة ، و المشكلات التي تندرج تحت بند الأحوال الشخصية و في مقدمتها الطلاق صارت هي السمة السائدة في مجتمعنا ، فمن إستطاع من الشباب أن يتدبر أمر منصرفات الزواج الأولية رغم أنها أصبحت مستحيلة ، تفاجأ بأن أمر إدارة حياته و أسرته هو المشكلة الرئيسية التي لم يضع لها في البال حساب ، فطرأت على سطح المجتمع ظاهرة هروب رب الأسرة كلياً من مسرح المأساة ، ليترك زوجةً و أطفالاً في مهب الريح ، و هذا ما يبرر الإرتفاع المتواتر في عدد النساء اللائي ولجن الأسواق ليعُلن أنفسهن و أبنائهن ، في زمان سابق كانت المطلقات و الأرامل لا يعدمن أخاً ( كخال فاطمة ) .. يُطلق عليه ( جمل الشيل ) و ( عشا البيتات ) .. يلملم ما أطاح به الدهر و يجفف دمعة الأيتام و يعول أخته أو أبناء أخيه ، الآن إن أستطاع أحدنا أن يعيش و من يعول في سترٍ و دون حاجة للإستعانة بغيره فهو صاحب فضل و إنجاز كبير ، ما يمر به الشعب السوداني من ضغوطات إقتصادية و إحباطات عامة تتعلق بوقوف معظم شبابه على رصيف البطالة و العمل الهامشي غير المجزي الذي لا تستفيد منه المصلحة الوطنية العامة ، و لا يقدم أو يؤخر في حالة من يمارسه ، هو مؤشر واضح لمزيد من صور التفكك الأسري و الإجتماعي ، كما أنه بيئة خصبة للإنفلات الأمني و إنتشار الجريمة التي ما زالت و عبر ما نطالعة من أجهزة الإعلام مضطردة في تزايدها و تطورها ، أما ما طرأ على سوق العمل التجاري و مجموعة الأدبيات و الأعراف التي إتسم بها السوق في السودان ، فحدث في ذلك بلا حرج ، و الشاهد ما تعج به السجون من الموقوفين بسبب المعاملات التجارية غير المشروعة أو بسبب عدم سداد الإلتزامات المالية ، الشيكات الطائرة و البضائع الوهمية ، و المتاجرة في ممتلكات الغير ، هذا بالإضافة إلى إنتشار و إزدهار و تطور واضح في تجارة المخدرات في أوساط الشباب و بالخصوص طلاب الجامعات ، و يكفي ما يُنشر عن ما يتم ضبطه من حبوب و مواد مخدرة بالأطنان في ميناء بورتسودان و مطار الخرطوم الدولي ، إلى أين نحن ذاهبون بهذ الوطن ، أين الدولة من إنقسام المجتمع السوداني إلى طبقتين لا ثالثة لهما ، طبقة تعيش أقصى مستويات الترف و البذخ و أخرى تقتات من الحضيض ، و على رأس كل ذلك تردي عام في الخدمات التي يدفع ثمنها المواطن مسبقاً عبر الرسوم و الضرائب و الجبايات ، ليظل التعليم الحكومي و الرعاية الصحية و الإمداد الكهربائي و المائي بؤر للمعاناة الدافعة للشعور بالإحباط و اليأس ، هذا المجتمع يتفكك رويداً رويداً في ظل غفلة أولي الأمر عن مايدور داخل بيوت الغلابة و أزقة الأحياء التي أنهكتها أوجاع اللهث وراء لقمة عيش شريفة .. إلى أين نحن ذاهبون.

هيثم الفضل      

 صحيفة الجريدة



الراكوبة

Leave a Reply