Home > sudan4tech > فاروق أبوعيسى:بطل ليلة المتاريس وأحد قادة ثورة أكتوبر1964 يحكي تفاصيلها الجزء الاول

فاروق أبوعيسى:بطل ليلة المتاريس وأحد قادة ثورة أكتوبر1964 يحكي تفاصيلها الجزء الاول

فاروق مصطفى ابوعيسى سكرتير نقابة المحامين السودانيين والتي كان يترأسها المرحوم الاستاذ عابدين اسماعيل. وسكرتير جبهة الهيئات عند تكوينها

عن دوره في الثورة يقول الاستاذ ابوعيسى:

الثورة كانت ممتدة عبر مساحات شاسعه في الاراضي السودانيه, وبين جماعات كثيرة في السودان , وأي شخص من المفترض أن يحكي الوقائع التي شاهدها من حيث تواجده حينها, فالذين كانوا في مدني او كوستي اوالابيض ابورتسودان عليهم ان يرووا ماشاهدوا وماسمعوا. أنا لاادعي شيئا, لاني ببساطة  حي وقد عايشت أحداثا كثيرة في نفس الوقت فانني اسمع ادعاءات مختلقه لم تكن موجودة اصلا في ارض الواقع, خاصة وانني كنت في قلب نقابة المحامين, وبعدها اصبحت سكرتيرا لجبهة الهيئات في ايام انفجار الثورة والايام الاخيرة قبل نجاحها والايام الاولى عقب نجاح الثورة , وقد كنت طرفا مباشرا في الاحداث, لذلك لامصلحة لي في ادعاء مالااعرفه, ومع ذلك من حق كل شخص ان يقول مايشاء, لكن الواجب الاخلاقي يحتم علي ان اروي تفاصيل ماشاهدت وماشاركت فيه بتواضع شديد, لان صانع ثورة اكتوبر هو الشعب السوداني العظيم, وهو نفس الشعب الذي صنع انتفاضة مارس ابريل 1985, والان نعمل مع شعبنا لانجاز الثورة القادمه.

نقابة المحامين اضطلعت بدور كبير وهام في موضوع الحريات ابان حكومة الراحل ابراهيم عبود, وقد كان الصراع الاساسي هو الحريات وحقوق الجماهير في التنظيم والتعبير من خلال منظماتها, وان نقابة المحامين كمؤسسه بالاضافه الى جهود الاخرين , الا انه كان لها القدح المعلى , وابدأ انه في ليلة استشهاد القرشي في جامعة الخرطوم , انا كنت في مكتبي ولم اشارك في الندوة’ والتي شارك فيها الدكتور الترابي, دخل على مكتبي المرحوم الاخ التجاني الطيب , وعقب فراغي من عملي اوضح لي انه قد علم بأن الاخ حاج الطاهر القائد الشيوعي الكبير والمحامي المعروف في الابيض قد وصل الى الخرطوم وهو في منزل الاخ العزيز المرحوم محمد الحسن عبدالله يسن, والذي كان يسكن في نمرة2 وان حاج الطاهر قد حضر في معية مجموعة من أهل الابيض وطلب مني الاخ المرحوم التجاني ان ارافقه لنقضي بعض الوقت معهم مساء ومن ثم نعود, وبالفعل ذهبنا سويا الى منزل محمد الحسن عبدالله يسن ووجدناه ومعه حاج الطاهر وحسنين حسن وهو ايضا كان قياديا في الحزب الشيوعي, ولديه قضيه مشهورة, حيث كان البوليس قد قام بنفخه عندما تم اعتقاله, وان ذلك حدث بايعاز من القياديه العسكريه والسياسية في الابيض, والتي أمرت بذلك. واذكر من ضمن الحضور كان هناك علي التوم وآخرين من زعامات مدينة الابيض, وفي تلك الفترة كانت هناك مدن لديها تأثيرا كبيرا في الحياة السياسيه والثقافيه, والرياضيه, يفوق أحيانا دور العاصمة, وكان هناك نادي رجال الاعمال في الابيض حيث كان مركزا لكل المستنيرين والنقابيين والمتعلمين, وكانوا يجتمعون في هذا النادي. المهم في منزل محمد الحسن عبدالله يسن رحبنا بمقدم الاخوه حاج الطاهر وحسنين حسن, وجلسنا نتسامر, وفي لحظة خلص السجائر وبما ان البيت مجاورا للسوق خرج المرحوم محمد الحسن عبدالله يسن لشراء السجائر من مكان يجاور مطعم السليماني, وهذا الرجل نوبي مشهور عمل في حاشية الملك فاروق في مصر لفترة طويله, وعند عودته افتتح مطعم السليماني, وأداره بنفسه, وقد كان واحدا من أميز وأحلى منتزه في السودان, وكان الناس يلتقون في هذا المكان الجميل.

خرج محمد الحسن عبدالله يسن , وعاد منفعلا وقال ان الناس في الخارج يتحدثون عن ان البوليس اقتحم الحرم الجامعي وقام بضرب الطلاب وهناك حديث  عن انه حدثت حالة وفيات بين الطلاب وجرحى كذلك,. وقد تجمع الناس في مشرحة مستشفى الخرطوم.

من جانبنا قررنا ان نغادر لمعرفة مايجري, ركبت سيارتي ومعي التجاني الطيب, وبدلا من ان نذهب مباشرة الى المستشفى طلب مني التجاني الطيب ان نذهب لبعض الاماكن التي لم تكن معروفه بالنسبة لي, وأدخلني الى بعض الازقه وهي كما علمت اماكن تواجد الكادر السري للحزب الشيوعي السوداني, وعندما سألته عن سبب ذلك قال لي انه ذاهب ال تنبيه الكادر السري للحزب الشيوعي للتحوط وأخذ الحذر حال وقوع هجمه واسعه علينا , وقال لي في كل الاحوال انا سأجعلهم في حالة استعداد, وظللنا نتجول طوال الليل, لذلك لم نتمكن من الذهاب الى المشرحه. انا كنت اسكن في في منزل جوار ميدان الربيع في ام درمان, واذكر ان الوقت كان قد تأخر لطول تجوالنا , بعدها ذهبت الى منزلي لانوم,. وفي الصباح الباكر حوالي السادسه صباحا رن جرس هاتفي وكان المتحدث من الطرف الاخر الاخ عثمان خالد مضوي مد الله في ايامه وهو كان من زعماء الاخوان المسلمين حينها, وقد اوضح لي انه حدثت مشاورات مساء الامس وقررنا ان نعمل تجمع في ميدان عبدالمنعم, حيث يقوم الناس بالصلاة على جثمان الشهيد القرشي, ولنرى ماذا نحن فاعلون بعد ذلك, وطلب مني قائلا(أرجوك اخطر ناسكم) فوافقت والتزمت له انني سوف احضر, بعد ذلك اتصلت بعبدالخالق محجوب والذي طلب مني أن أمر عليه وتحركنا سويا الى الخرطوم, وفي شارع الحريه الى ميدان عبدالمنعم وقبل ان نعبر الكبري وجدنا استحالة المواصله بالسيارة حيث كانت هناك اعدادا كبيرة من البشر كانوا يسيرون على الاقدام, ومن بين الجموع استطعنا ان نميز شخصية المرحوم د. عبدالحليم محمد, ورأينا ان نوقف العربه الى جوار داخلية كلية الطب , وتحركنا بأرجلنا مع الاخرين , وقد وجدنا ميدان عبدالمنعم يعج بالناس والذين تمركزوا في الجزء الجنوبي الشرقي, وفي المقابل كانت هناك مجموعه من عربات الشرطه تقف على أهبة الاستعداد في مواجهتهم.

كانت المنصه منصوبه وعلى رأسها اساتذة جامعة الخرطوم, المرحوم د حسن عمر استاذ القانون ونائب عام سابق, والدكتور حسن الترابي والدكتور علي محمد خير..الخ.. وهناك طلاب وقيادات سياسيه من حوالي المنصه, وقام أخونا الدكتور حسن الترابي والذي قال ( شكر الله سعيكم ونحن صلينا على الشهيد وسوف نحمل الجثمان الى قرية القراصة مسقط راس الشهيد لنقوم بدفنه ومن ثم نعود).

لم يعجب هذا الحديث المرحوم د حسن عمر واخذ المايكروفون من الترابي وقال(يمكن أن تقوم جماعه منا بالسفر مع الجثمان ودفنه في القراصه والجزء الآخر لابد لهم من البقاء هنا في الخرطوم لتوسيع دائرة العمل المناهض للنظام مستفيدين من العمليه القبيحه التي قام بها النظام, وقتل الطلاب في الجامعه وجرح آخرين, يجب علينا ان ننظم مظاهرات احتجاج في الشوارع,) وقد كان وقع هذا الكلام طيبا على الجماهير وقبلوا به, وكانت هناك اعدادا من الجماهير رافقت الجثمان الى القراصه, ونحن ركبنا سياراتنا, وقد طلبت من عبدالخالق محجوب الى يوصلني الى مكتب الاستاذ المرحوم عابدين اسماعيل في مواجهة مبنى البرلمان القديم, وفعلا أخذني الى هناك وواصل مسيرته بالعربه. وفي مكتب عابدين اسماعيل وجدت عددا قليلا من المحامين ومن بينهم عابدين اسماعيل نفسه, وبدأ العدد يتزايد.

أذكر حينها ان كل عدد المحامين في السودان لم يكن يزيد على 100 محامي وكان رقمي 61 في قائمة المحامين. وبعد فترة وجيزة من دخولي الى مكتب الاستاذعابدين ارتفع عدد الحضور الى حوالي 8 أشخاص منهم. شوقي ملاسي, بدرالدين مدثر(بعثيين) وهنري رياض, أمين الشبلي, حسين وني..الخ.. . وكلما حضر شخص كان يقول ان الشوارع قد امتلأت بالتظاهرات الصغيرة المتفرقه,. وحدثت مناقشه هل نقوم بعمل لافته باسم المحامين وننزل الى الشارع لننضم الى المظاهرات الكثيرة الموجودة في الحواري والازقه أم ننتظر لنرى ماسيحدث؟ وجاء اقتراح يقول ان مظاهرتنا سوف تضيع في الزحمه, ولن نشكل قيمة كبيرة للعمل الذي نود القيام به, ومن الافضل ان نؤجل أمر مسيرتنا الى يوم الغد, أو اليوم الذي يليه ويشارك أكبر قدر من المحامين, وتشارك النقابات المهنيه والعماليه والقوى الديمقراطيه, في هذه الاثناء رن هاتف مكتب الاستاذ عابدين اسماعيل, وكان المتحدث من الطرف الاخر مولانا بابكر عوض الله والذي تحدث مع النقيب عابدين اسماعيل وقد أوضح لنا الاخير, بأن مولانا بابكر عوض الله قال انهم في الهيئة القضائيه مقيدين بعدم المشاركه في السياسه الحزبيه وأي شيء له صله بعمل الاحزاب, لكننا نقترح عليكم أن نعمل مذكرة بين القضاة والمحامين ندين ونرفض أغتيال الطلاب , وضرب المتظاهرين, أو الذين يقيمون الليالي السياسيه, وعندما سمعنا ذلك الحديث كدنا ان نطير من الفرح,, وذلك جعلنا نؤجل مسيرتنا لنتفاكر في امر مسيرة  يشارك فيها الطلاب واساتذة الجامعات والاطباء, وكل المنظمين في النقابات , وقررنا أن تكون المسيرة بعد يوم الغد, وهنا جاء اقتراح, لماذا لاندعو القضاة انفسهم للمشاركه في المسيرة عن طريق مولانا بابكر عوض الله نفسه ونطلب منه المشاركه, وفي التو قرر عابدين اسماعيل الى يذهب الى مكتب مولانا بابكر عوض الله في الهيئة القضائيه, ومن ثم جاء عائدا بسرعه حاملا معه موافقة بابكر عوض الله  والذي وعد وانه سيتحدث مع القضاة وينسقوا فيما بينهم, واتفقنا على موكب الاربعاء وأرواحنا المعنويه ترفرف في السماء, لان القضاة سيشتركوا معنا, ومؤكد أن ذلك سيزلزل عرش النظام كما كان واضحا بالنسبة لنا, ونحن مقدمين على ثورة ولابد لنا من أن نحكم خطواتنا.

كان هناك رأي يرى ضرورة الاتصال ببعض القضاة بشكل مباشر جدا, أوكلت للمرحوم شوقي ملاسي والذي رافقه بدرالدين مدثر مهمة الاتصال بمولانا مجذوب علي حسيب, والذي كانت لديه مزرعه يذهب اليها مباشرة بعد الظهر ليقضي بقية يومه فيها. أما شخصي وعابدين اسماعيل فقد كلفنا أن نذهب لمقابلة الاطباء, واساتذة الجامعه لندعوهم للمشاركة معنا في  الموكب , وفعلا توجهنا يوم الجمعه منذ الصباح كل الى حيث ماهو مطلوب منه. كنت قد اتفقت مع المرحوم عابدين اسماعيل ان احضر اليه بعربتي من ام درمان ليتحرك معي بعربتي وهو كان يسكن نمرة2 خلف كبري المسلميه, المهم كان عابدين ينتظرني , وقبيل صلاة الجمعه اتجهنا الى منزل الدكتور عبدالحليم محمد نقيب الاطباء وكانت نقابة الاطباء حينها ذائعة الصيت في الحياة السياسية والاجتماعيه وعندهم دار الجمعيه الطبيه والتي كانت فاعلة جدا وملتقى للناس يقضون فيه امسياتهم على شاطيء النيل الازرق, لكنها حاليا لابواكي عليها بفضل سياسات النظام الرعناء.

طرقنا على باب منزل الدكتور عبدالحليم محمد ولم نجد أحدا في المنزل, فذهبنا الى المنزل المواجه له وهو منزل صديقنا العزيز المرحوم الاستاذ محمد احمد محجوب والذي قابلنا كعهده هاشا باشا, واعتقد ان محمد احمد محجوب شاركنا بالحضور في الاجتماع الاخير, وقد اوضحنا له اننا بصدد مقابلة الدكتور عبدالحليم محمد نقيب الاطباء ليشاركونا باسم نقابة الاطباء في موكب الغد, فنادى محجوب على أحد اولاده  لاأذكر ان كان سيد أو سامي وطلب منه أن ينادي لنا الدكتور عبدالحليم محمد والذي كان يرتدي جلبابا وهو في طريقه لاداء صلاة الجمعه , ولم يجلس د عبدالحليم معنا , ونحن عرضنا عليه الفكرة وحقيقة وللتاريخ فقد رفض المشاركة, وقال لنا لن ادخل الاطباء للمشاركة في المظاهرات ونحن عملنا واجبنا, وقد شاركنا في الوقوف حدادا على الشهداء وأعلننا الحداد لمدة ثلاثة ايام في الجمعيه الطبيه, وقال انه غير موافق ورفض الفكرة, وقد ادى ذلك الى حدوث احباط بالنسبة لنا, لكن كنا نعلم انه لدينا بدائل اخرى, وكنا نعلم انه ليس الوحيد المؤثر وصاحب القرار النهائي, لان القيادات كلها كانت كويسه ومتجاوبه مع الشعب السوداني, ولجأنا الى اصدقاءنا طه بعشر وصلاح عبدالرحمن علي طه وبلغناهم وقالوا لنا انهم سيقابلون الدكتور عبدالحليم محمد, واوضحنا لهم رأيه وجاء ردهم الى أنهم كنقابه سيحضرون ويصدرون قرارا من مجلس النقابه وقد كان.

بعدها كان علينا ان نقابل اساتذة الجامعة, واتفقنا لان اليوم كان يوم الجمعه , أن أذهب الى عابدين اسماعيل في منزله في تمام السابعه مساء, ومن هناك نتوجه الى نادي اساتذة جامعة الخرطوم, وبالفعل تحركنا في الموعد الى نادي الاساتذة وعندما وصلنا اليه لم نجد احد داخله, وقد علمنا أنهم مجتمعون في القاعه 102 وفعلا دخلنا الى القاعه وسمعنا الاصوات ترتفع عالية, وهناك هرج شديد, المهم في الاخير استطعنا ان نطلب من احد الواقفين ان ينادي لنا على الدكتور علي محمد خير, وقد تمكننا من مقابلته وشرحنا له الامر, وقد أبدى موافقته وقال ان الناس جميعهم اصبحوا ضد هذا النظام ولابد من عمل جماعي, ووعد بالرجوع الى زملائه, وفي تلك الاثناء جاءنا من يقول ان الحكومة ستفرض حظر التجول اعتبارا من مساء اليوم , وقد كانت الكلمة جديدة بالنسبة لنا وكانت المرة الاولى التي نسمع فيها بحظر التجول في السودان, وكان موعد الحظر قد اقترب وفقا للزمن الذي حدد لذلك, وطبعا كنا قد أبلغنا الدكتور علي محمد خير بالدعوة رسميا واتفقنا على التواصل وركبت عربتي وانصرفنا.


الراكوبة

Leave a Reply