Home > sudan4tech > دعوة للرشاقة! بقلم: ضياء الدين بلال -1- أخبرني صديقٌ مُقيم…

دعوة للرشاقة! بقلم: ضياء الدين بلال -1- أخبرني صديقٌ مُقيم…

دعوة للرشاقة!
بقلم: ضياء الدين بلال
-1-
أخبرني صديقٌ مُقيمٌ بدولة عربية، أن أجهزة الإحصاء والرقابة في تلك الدولة، تمتلك إحصاءات رقمية دقيقة، عن كُلِّ صغيرة وكبيرة، من استهلاك الوقود إلى عدد البَيْض الذي يُباع خلال اليوم.
الأجهزة الإحصائية هناك، تُوفِّر لمتخذ القرار بيانات ومعلومات إحصائية حديثة مُتجدِّدة ذات جودة عالية، لا يُخالطها شكٌّ ولا تُقاربها ريبة.
أرقامٌ خاليةٌ من مُحسِّنات بروميد البوتاسيوم، تُساهم في صنع القرارات الصحيحة ورسم السياسات السليمة وتقييم الأداء وتلافي الأزمات، قبل وقوع فأسها على رؤوس المواطنين.
بمزيد من الجهد والمُتابعة والمُراقبة، ستكتشف الحكومة صحة ما ذكرناه هنا قبل أيَّام، عن عدم دقة الأرقام المُقدَّمة لاستهلاك الدقيق وعن أشياء أخرى كثيرة في الدولة، ظلَّت لسنوات تخضع لحساب )الكوار(.
-2-
لا أحد يعرف على وجه الدقة كم تستهلك عاصمة مثل الخرطوم من اللحوم في اليوم، ولا كمية الألبان المُباعة في الأسواق، ولا عدد السيارات.
نِسَبُ إشراك المواطنين في التأمين الصحي مُتضاربة، حتى نِسَب الفقر يختلف تحديدها من جهة رسمية إلى أُخرى، وتتراوح في مرَّات بين 28% إلى 46%، وهناك من يقول إنها وصلت إلى 80%.
بإمكانك ملاحظة الفوارق الكبيرة بين النِّسَبِ المُعلنة مما يُوضِّح بجلاء عدم الدقة وجزافية الأرقام والنسب.
الأرقام المُقدَّمة والمُعتمدة من قِبَلِ وزارتَي المالية والصناعة، والتي تُشير إلى حاجة السوق إلى 90 أو 100 ألف جوال، أرقام )فالصو(.
الاستهلاك أقل من ذلك بكثير، للأسف لا توجد إحصاءاتٌ دقيقةٌ مبنيَّةٌ على البحث والدراسات الميدانية لحجم الاستهلاك الفعلي لسلعة الخبز، وما يحتاج إليه السوق من دقيق.
مصادري الموثوقة، تقول إن الحاجة الفعلية لا تتجاوز الخمسين ألف جوال، وأن البقيّة تذهب إلى السوق التجاري وجيوب الكبار المتورمة.
هناك من راكموا خلال سنوات أرباحاً طائلة من بيع الدقيق المدعوم في السوق الأسود، في غفلة من جهات المُراقبة والمُتابعة أو تواطؤ بعضها.
-3-
لن تستطيع الحكومة تحقيق نجاحٍ في إدارة الشأن الاقتصادي وتجنيب البلاد الأزمات، إذا لم تَرتَكِز على قاعدة معلومات صحيحة وأرقام حقيقية غير مزيفة بغرض أكل أموالها بالباطل أو نتيجة كسلٍ وتراخٍ ولا مبالاة من جهات الرقابة والمتابعة.
سنظل نردد: لا بد للحكومة أن تقوم بمراجعة غرابيلها الرقابية حتى تحجب عن متخذ القرار المعلومات والأرقام غير الصحيحة، فمن أهمّ قواعد الإدارة: )ما لا يُمكِن قياسه لا يمكن إدارته(.
مشكلة غالب أجهزة الحكومة ضعف الفاعلية وبطء اتخاذ القرار والتراخي في معالجة المشكلات، قبل أن تتحوَّل إلى أزمات، واحتواء الأزمات قبل أن تصبح كوارث.
غالب الوزارات مثقلة بوزراء قليلي الكفاءة بطيئي الحركة، مقدرتهم على الاستقراء محدودة وعلى الفعل شحيحة، جاءت بهم روافع الإرضاء وحساب المُحاصصات، ليس لهم رؤية والا إرادة إلا في حدود تحقيق مصالحهم، قبل مغادرة المقعد.
أما أجهزة الخدمة المدنية فهي أسُّ البلاء، مُتكلِّسة ومُتضخِّمة تحصر نفسها في إنجاز المهام اللائحية الصغيرة في دوامها اليومي الرتيب.
لا تنتظر ما يُحفِّزها للعمل، ولا تخشى جزاءً ولا عقاباً على التقاعس، قد تستجيب للضغط )النهرة والنترة( مع تصاعد اهتمام قيادة الدولة، ولكنها استجابةٌ مؤقتةٌ سرعان ما تعود إلى الاسترخاء.
الجهات واللجان الشعبية مبادراتها ضعيفة وسطحية لا تتجاوز الفقعات الإعلامية، لا تُعالج أزمة ولا تبتدر حلولاً، والأسوأ أنها جاذبةٌ للسخرية والاستهزاء.
-4-
ستظلُّ الحكومة تدور لاهثة حول نفسها في دائرة مُغلقة، تخرج من أزمة الخبز لتجد نفسها أمام أزمة الدواء، وقبل أن تنتهي الأخيرة قد تعود أزمة الوقود رغم بترول الجنوب.
الأمر لا علاقة له بضعف الموارد ولا قلة الإمكانيَّات.. دولٌ كثيرةٌ مواردها أقل من السودان، وإمكانياتها أضعف، ولا تعاني مما نعاني من أزمات بدائية شائهة.
لا الحركات المسلحة ولا أحزاب المعارضة، تُمثِّل مصدرَ خطرٍ على استمرار الحكومة وتماسك الدولة، الخطر الأكبر هو الترهُّل السياسي والقصور الإداري وضعف منظومة النزاهة التي تعاقب على الأخطاء وتكتشف الأكاذيب وتردع المتلاعبين بقوت الشعب.
لا خيار متاح أمام الحكومة سوى استعادة ثقة المواطن عبر إصلاحات جذرية عميقة، بتغيير السياسات والمناهج، لا الوجوه والأسماء فقط.
-أخيراً-
الوقت قد حان للاستجابة لنصيحة الإعلامي الإسفيري )الجبوري(، الذي دعا الحكومة لتنفيذ برنامج حمية رياضية تُخفِّف عنها ما تحمل من دهون وأثقال، لتصبح رشيقة وخفيفة قادرة على سرعة الحركة ودقة الإنجاز وكفاءة الأداء، حتى ينتهي عهد اختباء قصار الموهبة في زحام رابطي العنق وحاملي العصي اللامعة الجوفاء.

صفحة أعمدة الصحف السودانية

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.